الاثنين ، 10 ربيع الأول ، 1445

الاثنين ، 10 ربيع الأول ، 1445

واتبعوا النور الذي أنزل معه

قراءات

تكلمنا في الموضوع السابق عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والعناوين المهمة التي تدخل تحته من تلك العناوين، التي تحدث عنها السيد عبدالملك يحفظه الله، في خطاب مناسبة المولد النبوي الشريف لعام ١٤٤٤ ه‍، والتي هي من مكنون قول الله تعالى {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[الأعراف: من الآية157]. وقد قرأنا من تلك العناوين الأول المتعلق بالإيمان، والثاني المتعلق بالتعظيم، والثالث المتعلق بالنصرة.

 ونحن الآن بصدد العنوان الرابع وهو تجسيد لكل ما سبق، وهو الغاية من الإيمان، والمقصود من التعظيم، والهدف من النصرة، وهو اتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من ربه ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ ۚ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠) [سورة النساء] فهو الرسالة التي كلف بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهي مهمته كما قال السيد حسين رضوان الله عليه : 
هو المهمة الرئيسية للرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) هو أن يتلو الكتاب على الناس، يعلم الناس بهذا الكتاب، عمله كله يدور حول القرآن الكريم، يتلو عليهم الكتاب {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} التي هي القرآن الكريم.) وقد أمر المؤمنون بالاتباع لهذا النور ليتحقق الخروج من الظلمات ﴿ الر ۚ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) [سورة إبراهيم] والاتباع لهذا النور هو ما يتمحور حوله العنوان الرابع وهو آخر العناوين، يقول السيد عبدالملك يحفظه الله : أمَّاا العنوان الرابع فهو قوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ}، يعني: القرآن الكريم، فهو: 
• النور الهادي، الذي يضيء لنا الحياة، ونستنير به فيكشف كل الظلمات، ويقدم لنا الحق خالصاً من كل شائبة ضلال، {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ}[فصلت: من الآية42]. فهو الحق الخالص لأنه من الله أتى ومن قبله نزل ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) [سورة يونس] هو الحق وما خالفه هو الباطل، وفيه الهدى وما عارض هذا الهدى فهو الضلال.
وعندما نتحدث عن القرآن يتجلى لنا من جاء به، وعندما نتحدث عن الرسول تتجلى لنا رسالته، فالحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا ينفصل عن الرسالة، فهو قرينها الأول، وأول المسلمين، وأول المؤمنين، وبها وصف رسولاً، وبعث نبيا، فهو مقرون بها، وهي لاتنفك ولا تنفصل عنه، وهو يؤدي عن الله ويدعو من خلالها إلى الله سبحانه وتعالى ﴿ قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) [سورة يوسف]. 
وقول السيد: ويقدم لنا الحق خالصاً من كل شائبة ضلال) لأن الله الذي هو الحق جعل الحق من عنده، حتى يغلق الباب على الشبه والضلال والمضلين، حتى لا يدخلوا على دينه ما ليس منه، لذلك نرى كيف علم نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يرد عليهم في الآية الكريمة السابقة ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾ وأمام ادعاءات أهل الكتاب وبعد قوله تعالى ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) [سورة البقرة] بعد هذه الآية يقول الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) [سورة البقرة] بمعنى أنت لم تأت بشيء من عندك بل هو الحق من ربك لتتبعه، وهذا فيه هداية لهم وللناس، وهو أن عليهم أن يلتزموا بما التزم به الأنبياء في اتباع ما أنزل الله على رسله، لذلك قال للناس الحق من ربكم وقال سبحانه لأهل الكتاب ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) [سورة المائدة] وهذا هو ما يجعل الحق خالصاً من كل شائبة ضلال، كما سبق في كلام السيد يحفظه الله وقال سبحانه مخاطباً نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) [سورة الزمر]

• وهو النور الذي يستوعب من العلم والمعارف ما يفوق كل تصورٍ وخيال، كما قال الله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}[الكهف: الآية109]. فهو ليس مقصور على تلك العلوم التي قدمها الكثير من المتدينون، وحالوا بحسن نية أن يحصروه فيها، أو ينظروا إليه من خلالها، هم بذلك ضيقوا على أنفسهم واسعا لأنه (النور الذي يستوعب من العلم والمعارف ما يفوق كل تصورٍ وخيال) 
• وهو أيضاً المعجزة الخالدة، في بلاغته، وحكمته، وهديه، ونوره، وسعة معارفه، واستيعابه لكل مجالات الحياة، وما يحتاجه الإنسان من الهداية، إلى المستوى الذي قال الله عنه: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[الإسراء: الآية88]. فهو معجزة في إطار هذا المفهوم الواسع والشامل، الذي طرحه السيد حفظه الله ومما قاله الشهيد السيد رضوان الله عليه في هذا الموضوع في بيان أنه لاريب فيه فقال: 
 ليس فيه ريب على الإطلاق في كل ما تناوله، أيَّ ريب كان، لا مكان له في القرآن، ولا منفذ له إلى القرآن على الإطلاق. 
من خلال تأمل الإنسان أثناء التلاوة، عندما يتأمل آيات القرآن الكريم سيجد فعلا بأنه بعيد كل البعد عن أن يكون فيه منفذ لريب أيَّ ريب كان، يعني: القرآن يشهد فعلاً؛ ولهذا كان أعظم معجزة لرسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) يشهد بنفسه أنه من عند الله، بأسلوبه، بمواضيعه الشاملة، بهداه المتميز.
 أنت تلمس بأنه فعلا من يشرع في هذا القرآن، من يهدي في هذا القرآن هو بالتأكيد من خلق الإنسان، قضية لا شك فيها، أنه من خلق السموات والأرض، أنه من يعلم الغيب والشهادة، وهو الله سبحانه وتعالى لا شك في ذلك.) فمجالات إعجاز القرآن الكريم واسعة بالنظر إلى آياته، ومواكبتها لحياة الإنسان على تصرفاتها، وتحولاتها، وتطورها وستظل تشهد على الحياة والإنسان وتواكب كل جيل إلى آخر جيل، وستظل تعطي العلوم والمعارف وتهدي الناس في كل تفاصيل حياتهم ومجالاتها. 
• وهو النور الكفيل بأن يرتقي بالمسلمين إلى أعلى درجات الوعي والبصيرة، والعلاقة به إيمانياً هي علاقة إتِّباع بكل ما تعنيه الكلمة، كما كان النبي “صلى الله عليه وآله” متَّبعاً، وعلَّمه الله أن يقول: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ}[الأنعام: من الآية50]. 
والاتباع هو ثقافة الإسلام كما قال الشهيد القائد رضوان الله عليه : ثقافة الإسلام للناس أن يتبعوا كتبه، وأنبياءه، أن يتبعوا كتب الله، وورثة أنبيائه، أعلام دينه. هذه هي تربية القرآن الكريم، ولا أستطيع أن أقول أن هناك شيء آخر إطلاقاً؛ لأجل أن نكون مرنين، أو منفتحين مع آخرين، أنا أجزم بهذه: أن ثقافة الإسلام كلها قائمة بدءاً من النبي نفسه، ثم الصحابة، ثم من بعدهم كلها قائمة على الإتّباع، {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ}..١٠٩ يونس) {فَاتَّبِعُوهُ}١٥٥ الأنعام) اتبعوا علي. طيب: مِنْ بعد علي وكذا، هل نحن أرقى ممن كانوا في زمن النبي؟ هل نحن أعلى من النبي؟ هل نحن خارجون عن هذه القاعدة؟ لا يمكن، لا يمكن أن نكون خارجين عن هذه القاعدة، لو كان ما نسمح به لأنفسنا اليوم صحيحاً لسمح به الرسول لأصحابه من بعده، لما ألزمهم أن يتمسكوا بأحد، ولما ألزمهم أن يتبعوا أحداً، ترى كل واحد يمشي على ما أدى إليه نظره، واجتهاده. ما حصل هذا أبداَ. المسألة هي أن السنة الإلهية كلها قائمة على هذا النحو: الإتباع... القضية ليست قضية اجتهاد، ولا المسألة مسألة تقليد، المسألة مسألة إتّباع. وتجدوا هذا هو منطق القرآن المتكرر، وهو يخاطب النبي، ويخاطب الناس. إذا جوّزنا لأنفسنا ما لم يجوزه الله لنبيه، وما لم يجوزه النبي للناس في عصره..) 
واتبعوه كمنهجٍ لمسيرة حياتهم، واتبعوه في مواقفهم، واتبعوه في توجهاتهم. 
وبهذه العناوين الأربعة التي قدَّمت لنا الصلة الإيمانية، والارتباط الصحيح بالرسول “صلى الله عليه وعلى آله وسلم”، وبالقرآن الكريم، تتحقق النتيجة العظيمة المهمة، وهي قوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، هم الذين يظفرون ويفوزون بأعظم النتائج، وأكبر المكاسب، وأسمى الأهداف، وأعظم الغايات: 
• ففي الدنيا: يحظون برعايةٍ عظيمةٍ من الله تعالى في أنفسهم، وفي حياتهم ومواقفهم، فالله يحبهم، ويعزهم، ويعينهم، ويوفِّقهم، ويهديهم، ويؤيِّدهم بنصره، ويمنحهم النجاح… إلى غير ذلك من رعايته الواسعة، والحياة الطيِّبة. 
• وفي الآخرة: يأمنون يوم الفزع الأكبر، ويفوزون بالجنة ورضوان الله تعالى، ويصلون إلى السعادة الأبدية، ويحظون بالنجاة من عذاب الله، وهذا هو الفوز العظيم. 
أمَّا غيرهم فخاسر، وما حصل عليه زائل، وعاقبته الخسران الأبدي، والخلود في نار جهنم والعياذ بالله تعالى.