الرئيسية > قائد المسيرة القرآنية > دروس من هدي القرآن > المحاضرة الرمضانية الرابعة للسيد عبدالملك بدرالدين الحوثي 1438هـ

المحاضرة الرمضانية الرابعة للسيد عبدالملك بدرالدين الحوثي 1438هـ 2020-04-20
المحاضرة الرمضانية الرابعة للسيد عبدالملك بدرالدين الحوثي 1438هـ

خطورة الشيطان الرجيم -1-
أَعُـوْذُ بِاللهِ مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيْمِ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحَمْدُ لله رَبِّ العالمين، وأَشهَـدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ المَلِكُ الحقُّ المُبين، وأشهَدُ أن سيدَنا مُحَمَّــداً عَبْدُه ورَسُــوْلُه خاتمُ النبيين.

اللّهم صَلِّ على مُحَمَّــدٍ وعلى آلِ مُحَمَّــدٍ وبارِكْ على مُحَمَّــدٍ وعلى آلِ مُحَمَّــدٍ، كما صَلَّيْتَ وبارَكْتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنك حميدٌ مجيدٌ، وارضَ اللَّهُم برِضَاك عن أَصْحَابِهِ الأخيارِ المنتجَبين، وعن سائرِ عِبَادِك الصالحين.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ والأخواتُ..

 السَّـلَامُ عَلَـيْكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه؛؛؛

من المعلوم أن من أهم عوامل الانحراف لدى الإنسان التي تخرجه عن التقوى، وتؤثر عليه وتجرّه إلى معصية الله -سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى- عاملان أساسيان ورئيسيان:

أولهما: هوى النفس، ورغباتها، وشهواتها، وميولها؛ ولذلك كان شهر رمضان المبارك فيما فرض الله فيه من صيام، وفيما فيه من بركات، وأجواء، وذكر لله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– وعوامل كثيرة روحية وتربوية مساعدة، تساعد الإنسان على السيطرة على هوى النفس، وعلى التحكم برغبات النفس وأهوائها وشهواتها.

هناك أيضاً عاملٌ آخر مؤثرٌ تأثيراً سلبياً، يتفاوت تأثيره بقدر ما يكون الإنسان منجراً وراء هوى نفسه، وشهوات نفسه، ورغبات نفسه، عادةً حينما يكون الإنسان خاضعاً للتأثيرات السلبية لهوى النفس وشهواتها ورغباتها، ومنجراً وراء ذلك، يدخل على الخط -إن صح التعبير- عاملٌ آخر، الكثير من الناس قد يغفل عن هذه المسألة، والغفلة عنها خطرةٌ جدًّا، حينما تكون في لحظة معينة، أو في ظرف معين تعيش الضغط النفسي: ضغط الهوى، ضغط الرغبة، ضغط الشهوة، ضغط الميول والرغبات التي تجرف بك، أو تدفع بك، أو تؤثر عليك نحو العصيان لله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– نحو الخروج عن خط الاستقامة وعن التقوى.

ألدّ الأعداء.. وخطورة الغفلة
ففي كثيرٍ من الحالات قد لا تكون وحدك، قد لا تعيش في تلك الحالة، أو في ذلك الظرف لوحدك، هناك من يتدخل، هناك من يشتغل إلى أن يدفع بك أكثر فأكثر، وأن يجرّك إلى المزيد من حالة الانحراف، ويسعى إلى التأثير عليك أكثر فأكثر حتى تندفع وتنجر إلى المعصية لله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– هذا الطرف من هو؟ هذا الطرف هو أعدى عدوٍ لك، وقد يأتي إليك في أماكن كثيرة: قد يأتي إليك إلى منزلك، قد يدخل إليك إلى غرفتك، قد يأتي إليك في الحالة التي تعيش فيها وتعتبر نفسك في حالة خلوة، أو انفراد، أو أنك تعيش لوحدك، وتجلس لوحدك؛ فيأتي إليك، وينضم إليك في تلك الجلسة التي أنت فيها تفكر وتسوّل لنفسك، وتعيش حالة الهاجس النفسي، والتأثير النفسي، واعتمال الرغبة النفسية نحو معصيةٍ هنا، أو تصرفٍ خاطئٍ هناك، أو انجرارٍ إلى شهوةٍ هناك من خلال معصية الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى–.

هذا العدو هو العدو الذي حذرنا الله منه كثيراً وكثيراً في القرآن الكريم، يحمل لنا عداءً شديداً جدًّا، ويحرص على أن يبذل قصارى جهده في الإغواء لنا، والإغراء لنا بالمعصية، والإضلال لنا، والجر لنا إلى الهاوية، إلى سخط الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– هذا العدو: هو الشيطان الرجيم.

الحديث في القرآن الكريم عن الشيطان حديثٌ واسع، ومهم في الوقت نفسه، وهي من المسائل التي باتت واضحةً لدى البشرية كافة، ولكن في الوقت نفسه هناك غفلة عنها كبيرة، وفي كثيرٍ من الأحيان يغفل الإنسان عن الاستحضار لهذه المسألة في ذهنيته، وفي نفسه، في كثير من مقامات الإنسان: المقامات المهمة، المقامات الحساسة، المقامات الخطرة عليه، المقامات التي قد يندفع فيها في معصية، أو يقصر فيها في واجبٍ، أو يتنصل فيها عن مسئولية، يغفل عن الاستحضار في ذهنيته لهذا العدو الذي قد يحضر معه في كثيرٍ من اللحظات، وفي كثيرٍ من الأوقات، وفي كثيرٍ من المواقف، لست لوحدك، هو حاضرٌ إلى جانبك، هو طرف يؤثر عليك، يساهم إما في دفعك إلى مواقف، أو في دفعك إلى تصرفات، أو في التأثير عليك في كثيرٍ من الأمور، وفي كثيرٍ من التصرفات، وفي كثيرٍ من القرارات، هو طرف مؤثر إلى جانب هوى النفس.

الله -سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى- قال في كتابه الكريم {يٰٓأيها النَّاسُ} خطابٌ للبشرية بكلها، لماذا؟ لأن الشيطان هو عدوٌ للبشرية بكلها، ويشكّل خطورةً على كل إنسان، على الناس جميعاً، ليس هو خصمًا لطرف دون طرف، أو لبعضٍ من البشر، بينما هو صديقٌ ومخلصٌ وناصحٌ ومهتمٌ بناس آخرين، أو بالبعض من البشرية. |لا| خطورته خطورة على الجميع، وعداؤه عداء للناس جميعاً، ومسعاه في جرّ البشرية إلى الهلاك لا يستثني أحداً.

{يَٰٓأَيُّهَا النَّاسُ} والله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– هو ربنا جميعاً، هو الذي يريد لكل عباده الخير، ويريد لكل عباده الفلاح، ويريد لكل عباده النجاة، وهو يقدّم هديه ونصحه لكل عباده، ويهيئ لكل عباده أسباب النجاة، وأسباب الفلاح.

فلذلك هو هنا يوجه نداءه إلى البشر جميعاً، إلى الناس بكلهم {يَٰٓأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ}، وعد الله -سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى- بالآخرة، بالجزاء، بالحساب والجزاء على الأعمال، الجزاء على الخير بالخير، والجزاء على الشر بالحساب والعقاب، وعدٌ حقٌ لا يختلف أبداً؛ فكونوا في مستوى المسؤولية، كونوا مدركين أنكم في مقام المسؤولية، الله سيحاسبكم، الله سيجازيكم على أعمالكم، فكونوا متنبهين، وكونوا مدركين لأعمالكم، ولا تكونوا متهاونين وغافلين عن تصرفاتكم، وعن أعمالكم.

{فَلَا تَغُرَّنـَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّـنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [فاطر: 5]، لا تعيشوا في هذه الحياة مغرورين، غافلين عن مسئوليتكم، غير منتبهين لتصرفاتكم، ومقصرين فيما عليكم من واجبات في هذه الحياة، فتتحملون بذلك الأوزار، وتتحملون بذلك النتائج السيئة لغفلتكم، وإهمالكم، وتجاوزاتكم، {وَلَا يَغُرَّنـَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ}، لا يغرنكم بالله؛ فتغفلون عن الله -سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى- ولا تتنبهون لمسئوليتكم أمام الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– وتتهاونون بالله فلا تبالون بتحذيره، ولا بنهيه، ولا بأمره، ولا بتوجيهاته، ولا بوعده، ولا بوعيده، فتتهاونون تجاه الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى–.

{لَا يَغُرَّنـَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ}، الغرور: الذي يسعى إلى أن يغركم، إلى أن يخدعكم، إلى أن يجعلكم غافلين ولا مبالين ولا متنبهين، وأن يبعدكم عن الإحساس بالمسئولية، من هو هذا (الغرور) الذي يسعى لأن يغركم، وأن يخدعكم؟ {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ}، الشيطان هو عدوٌ لكم، يحمل لكم حالة العداء الشديد، وهو يتعامل معكم من منطلق هذه العداوة، يتحرك ضدكم ويستهدفكم من خلال هذا العداء؛ فيشتغل شغله الكبير، شغله المخادع، شغله ليغركم ويخدعكم من منطلق حالة العداء الشديد لكم.

{فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6] (فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً)، هذه الحالة هي المفقودة لدى أغلبية البشر، في الوقت الذي الشيطان عدوٌ للبشر جميعاً وللناس كافة، أغلب البشرية، وأكثر الناس لا يتخذونه عدواً، بل الكثير منهم يوالونه، بل الكثير منهم يصلون معه إلى حد العبادة له، إلى درجة أن يطيعوه في معصية الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– أن يتنكروا لله ربهم، الخالق لهم، المنعم عليهم، المكرّم لهذا الإنسان، والمنعم على هذا لإنسان، والمسخر لهذا الإنسان ما في السموات وما في الأرض، الولي لكل نعمة على هذا الإنسان، وهذا الإنسان يأتي ليتنكر لربه: الخالق له، المنعم عليه، المكرّم له، ثم يطيع عدوه فيما هو ماذا ؟ فيما هو مصلحةٌ له، فيما هو خيرٌ له؟! |لا|. فيما هو شرفٌ له؟! |لا|. بل فيما يسبب له الخزي في الدنيا والآخرة، الهوان في الدنيا والآخرة، غضب الله وسخط الله، فيما هو شرٌ له، فيما يوصله -في نهاية المطاف- إلى عذاب الله، إلى السعير، إلى جهنم والعياذ بالله، يطيع عدوه الذي هو فيما دعاك إليه، وفيما يجرك إليه من منطلق العداوة لما فيه شرٌ لك، لما فيه خطورةٌ عليك، فتجيب الشيطان، وتنجر وراء الشيطان نحو ما فيه خطورةٌ عليك، وشرٌ عليك، وتعصي الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– وتتنكر لله – سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى – تجاه ما هو خيرٌ لك، فضلٌ لك، نعمةٌ عليك، مصلحةٌ حقيقيةٌ لك، هذا غباء كبير من جانب الإنسان.

الشيء الذي يريد الله منا تجاه الشيطان: أن نعي عداوة الشيطان لنا، وأساليبه العدائية، وطريقته في الحرب؛ لأنه في حرب مستمرة معنا، حرب أعلنها من يومه الأول، يوم أن وقعت مشكلته مع هذا الإنسان، وأعلن حربه على هذا الإنسان، ولم يتوقف يوماً من الأيام عن هذه الحرب، حرب ضروس، حرب معلنة، حرب كبيرة يشنها الشيطان، ولا يتوقف فيها أبداً عن الاستهداف لهذا الإنسان، شغل مستمر في الليل والنهار، وعمل دؤوب في الاستهداف لهذا الإنسان.

بينما الكثير من الناس يعيش حالة الغفلة عن هذه الحرب، وعن هذا العدو، وعن ما يعمله هذا العدو، وعن مكائد هذا العدو؛ فيغفل، ولربما الكثير من الناس تمر عليه لربما السنون من عمره وهو غافل، لا ينتبه بالمستوى المطلوب لهذا العدو، لمكائد هذا العدو، للاستهداف من هذا العدو له في الليل والنهار.

استشعار حالة الخطر
{فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً}، هذه الحالة غائبة، اتخاذه عدواً يشكّل حمايةً لك من شره، من خطره، من مكائده، أنت إذا لم تعِ عداوته لك، وتستوعب خطورة هذا العدو، ثم تحمل في الوقت نفسه العداء له، العداء الحقيقي النابع من وعيك بخطورته، بسوئه، بشره، بمخاطره، بمكائده، فتحمل هذا العداء نحوه؛ فتأخذ احتياطاتك اللازمة من هذا العدو، وتكون متنبهاً في كل الأوقات، في كل الظروف، في كل الحالات، في كل المقامات التي ينبغي فيها الاستحضار ذهنياً ونفسياً لخطورة هذا العدو، والانتباه من هذا العدو، والجهوزية الدائمة للتصدي لهذا العدو.

هذه الحالة إذا فقدتها فأنت من الهالكين، فأنت في حالةٍ خطرة بما تعنيه الكلمة، وسيتمكن هذا العدو من حسم معركته معك، ومن السيطرة عليك، ومن الإيقاع بك في شِرَاكِه، يصطادك الشيطان، وتكون ضحيةً لغفلتك، ضحيةً لإهمالك، ضحيةً لحالة الغرور التي عشتها، وانعدام التنبه واليقظة تجاه هذا العدو.

{إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}، هو عدوٌ لهذه الدرجة، حتى لو أردت التصالح معه، وأردت أن تكون من حزبه، وأن لّا تكون في صراع معه، ولا في مشكلة معه، وانضممت إلى حزبه؛ لأن الشيطان معه حزب (حزب كبير)، وأعضاء هذا الحزب والمنتمون إليه كُثُر من الجن ومن الإنس، أعداد كبيرة لربما بالمليارات منضمون إلى هذا الحزب (حزب الشيطان)، ولكن الذين انضموا إلى حزبه، ودخلوا في صفه، واستجابوا له، ولم يقرروا أن يتخذوه عدواً، بل اتخذوه ولياً: سواءً بإدراك وانتباه ومعرفة وعن عمد وقصد، أو من دون انتباه تلقائياً على نحو عملي، أصبحوا في واقعهم العملي والنفسي، وطريقتهم في الحياة يسيرون في خطه، وعلى نهجه، وتحت أمره وتوجيهاته، وفي المسلك الذي يدعوهم إليه، ويتجه بهم فيه عملياً؛ لأن البعض والكثير (الأغلبية من البشرية) هم يتجهون على هذا النحو، يعني بشكل تلقائي من خلال غفلتهم وعدم انتباههم، وعدم إصغائهم إلى تحذيرات الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– وتنبيهات الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– بهوى النفوس، ورغبات النفوس؛ اتجهوا وراءه، وانضموا إلى صفه، وأصبحوا في حزبه، [خلاص] تصبح في حزبه، تنضم إلى صفه، هل يقدّر لك هذا الجميل؟ هل هو يتفاعل إيجابياً، ويلتفت على نحو إيجابي مع كل أولئك الذي انضموا في حزبه، وأصبحوا من صحبه وجمعه وأتباعه؟ |لا|. لا يحمل لهم إرادة الخير، ولا يُقَدّر لهم ذلك، ولا يرعى لهم هذا الجميل ولا يعتبره أبداً، ولا تتغير الحالة العدائية نحوهم بما أنهم آثروا طاعته فوق طاعة الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– واتبعوه وخالفوا الله، وأطاعوه وعصوا الله، حتى الحالة العدائية نحوهم لا تتغير، يبقى عدواً، ويبقى كل اهتمامه، وكل سعيه، وكل جهده، أن يوصلهم إلى أين؟ وهم خلفه، في طريقه، على توجيهاته، وعلى أمره، وعلى كيفما يريد لهم أن يكونوا يذهبون ويتجهون، {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ} حزبه: الذي انضم إليه، الذي أصبح في صفه {لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}، يريد أن يذهب بهم إلى جهنم، إلى جهنم، فإذاً هو عدو خطير؛ لأن التصالح معه لا ينفع، والانضمام إلى حزبه وصفه لا يفيد، لا يسلمك من شره، ولا يخرجك من حالة الخطورة. |لا|، حينما تنضم إلى صفه؛ فأنت تسهّل عليه مهمة الإيقاع بك، والإهلاك لك، والإيصال لك إلى جهنم والعياذ بالله، {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}.

نداء من الرحمن الرحيم
نداءٌ آخر مهم من الله -سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى- لكل بني آدم، ولربما هذا النداء سبق في كتب سابقة قبل القرآن الكريم، ومع أنبياء الله السابقين أيضاً {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كـَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27] (يَا بَنِي آدَمَ) كل بني آدم؛ لأن الشيطان يعادي كل بني آدم، أنت من بني آدم، إذاً.. الشيطان عدو لك، عدو لك، لديه معك مشكلة، وسيأتي الحديث عن هذه المشكلة، وعن سبب هذه المشكلة، وكيف تطور هذا العداء، وكيف أصبحت هذه المشكلة الكبيرة بين آدم وبنيه والشيطان.

{يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ} هو عدوٌ يسعى إلى أن يفتنكم، هذه هي طريقته معكم، هذا هو أسلوبه في عدائه لكم، كما عمل مع أبويكم، مع أبينا وأمنا آدم وحواء -عليهما السلام- حينما سعى إلى الإيقاع بهما، إلى الفتنة لهما، إلى إخراجهما من الجنة، وسنأتي للحديث عن هذه المسألة، {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ}، هو يراكم سواءً رأي العين، أو حتى يرى المداخل التي تشكّل ثغرةً يمكن أن ينفذ من خلالها في التأثير عليكم، كلا المعنيين قد يكونان مقصودين في الآية، وهما واردان على كل حال.

قد تكون في ظرف معين ترى نفسك لحالك، ولا تظن أن إلى جانبك من يشتغل في تلك اللحظة معك، وأنت تعتمل في نفسيتك، وفي تفكيرك، وفي هواجسك الداخلية نوازع الشر، أو نوازع المعصية، نوازع الشهوة نحو ما هو عصيان لله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– أنت لا ترى من يقف في تلك اللحظة إلى جانبك، قد يكون إلى جانبك شيطان أو أكثر أحياناً، قد يصل الحال في بعض الحالات، في بعض الظروف، في بعض المراحل المهمة والحساسة أن يكون إلى جانبك مجموعة حتى، مجموعة من الشياطين كلٌ منهم يوسوس لك، كلٌ منهم يحاول أن يؤثر في نفسيتك، أن يوجد عندك قناعة وتوجهاً واندفاعاً نحو موقفٍ خطأ، أو تصرفٍ خطأ، أو فعلٍ هو معصية لله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى–.

{إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} جماعته، معه جماعة، معه جيش من الشياطين، من الجن كذلك، أيضاً له أنصار آخرون سيأتي الحديث عنهم إن شاء الله في سياق الكلام، {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} إبليس ليس لوحده يشتغل ضد بني آدم. |لا| أصبح معه ذرية، أصبح معه قبيل: يعني أنصار، جنود، جيش كبير، أعداد هائلة جدًّا تتحرك معه ضمن توجيهاته، وبأساليبه وخططه وبرامجه التي يُشَغلهم فيها في الاستهداف لبني آدم، والشغل مع بني آدم للتأثير عليهم والإيقاع بهم.

{إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} فقد تغفلون عنهم، وقد لا تشاهدونهم في اللحظات والحالات التي هم فيها إلى جانبكم، متواجدون بينكم، ويعملون عملهم، ويشتغلون شغلهم في التأثير عليكم، والإيقاع بكم.

يقول الله -سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى-:{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ}، معه ذرية، ومعه أتباع كُثُر، ومعه جيش كبير، طويل، عريض، واسع، {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف: 50]، أفتتخذون إبليس وذريته من أنصاره وأتباعه وجمعه (أَوْلِيَاء)، أولياء تتولونهم، تطيعونهم، تؤثرون طاعتهم فوق طاعة الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– تعرضون عن الله ربكم المنعم عليكم، وتتخذون العدو الألد الذي يسعى لإشقائكم، وإهلاككم، وتوريطكم، تتخذونه ولياً، وتتخذون ذريته أولياء لكم؟! {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} هذا هو الدبور، هذا هو الغباء، هذا هو الشقاء، هذه هي الغفلة، هذا هو الهوان، غباء بكل ما تعنيه الكلمة أن تتخذ عدوك- الذي يريد الإيقاع بك، ويريد الإهلاك لك، يريد الانتقام منك- ولياً تتولاه، تطيعه، تتجه وراءه، وتعصي الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى–.

القصة الكاملة
نأتي الآن إلى نقطة مهمة، إبليس هذا ومن معه من الشياطين، الشيطان الكبير فيهم، شيطانهم الأول، ثم من معه من الشياطين من الجن- وسيأتي أيضاً الحديث عن شياطين الإنس- من هو هذا إبليس؟ ما هي قصته؟ ما سبب مشكلته الكبيرة هذه مع آدم ومع بني آدم؟ لماذا يعادينا كل هذا العداء؟ وما أصل مشكلته معنا؟ القرآن الكريم تحدث عن ذلك كثيراً في سور متعددة، القصة قديمة، والحكاية قديمة جدًّا، وموجودة منذ وجود هذا الإنسان (في أول وجوده) حينما خلق الله النوع البشري (الإنسان) آدم -عليه السلام- أبا البشر عندما خلقه الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– وأراد الله أن يستخلف الإنسان في الأرض.

قبل مجيء الإنسان كان الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– قد خلق الملائكة، وخلق أيضاً بعد الملائكة وقبل خلق الإنسان، خلق الجن، قال جلّ شأنه: {وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ} يعني من قبل خلق الإنسان، ومن قبل مجيء الإنسان، خلق الله الملائكة قبل الجن (هذا مؤكد)، وخلق بعد الملائكة وقبل خلق الإنسان، خلق خلقاً آخر هم: الجان، {وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ} [الحجرات: 27]، الملائكة مخلوقات مختلفة عنا، يعني ليست مخلوقات بشرية مركبة من نحو ما رُكبنا منه بالنسبة لنا كبشر، نحن خلقنا من الطين وبشكلية معينة، وبكيفية معينة، وبأجسام معينة، الملائكة مخلوقات مختلفة عنا، الجان أيضاً مخلوقات مختلفة عنا، ليست على نحو تركيبنا وأشكالنا وخَلْقِنا، مخلوقات مختلفة، ومن عنصر مختلف، نحن خلقنا الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– من طين هذه الأرض، أما الجان فخلقهم كما قال جلّ شأنه: {وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ} من الحرارة، مخلوقات خلقها الله من اللهب: يعني من الحرارة، حرارة خالصة ليس فيها شوائب من الدخان أو شوائب أخرى، فخلقهم الله منها، لكن مخلوقات ذكية، مفكرة، عندها إرادة، عندها رغبة، عندها تفكير، عندها مَلَكَة وقدرة أيضاً عندها طاقة تقدر أن تفعل أفعالاً كثيرة، أن تصنع أشياء كثيرة، أن تعمل أعمالاً كثيرة، حكى الله عنها في قصة نبيه سليمان، كيف أن البعض منها كان مسخراً مع نبي الله سليمان في أعمال مختلفة: [البعض للغياصة في البحر واستخراج لآلئ البحر، البعض منها في الصناعة، البعض منها في أعمال البناء…] بمعنى أنها مخلوقات لديها طاقة عملية تستطيع أن تفعل أشياء كثيرة.

من الجن كان هناك إبليس، هو من الجن، كما قال في هذه الآية: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [الكهف: 50] من الجن، إبليس هذا عَبَد  الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– ولفترة زمنية طويلة، في بعض الروايات آلاف السنين، بقي لآلاف السنين يعبد الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– ويتقرب إلى الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– حتى أصبح في مصافِّ الملائكة، وقَطَن في السماء، انضم إلى صفوف الملائكة في السموات ليتعبد الله بين الملائكة حتى أصبح من ضمن الملائكة، يُؤمَر بما تُؤمَر به الملائكة، ويُوجَّه بما تُوجَّه به الملائكة، ويعيش الجو العبادي العظيم والمقدس في السموات بين أوساط الملائكة، يعني أنه ارتقى في عبادته لهذه الدرجة.

بعد زمن طويل، بعد آلاف السنين وهو قاطن بين أوساط الملائكة، وبعد حينٍ من الدهر، منذ أن خلق الله السموات والأرض، أعلم الله ملائكته بأنه سيستخلف في الأرض خليفة، قال الله جلّ شأنه للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}، وقبل هذا كان الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– قد أعلم الملائكة عن الإنسان، وأعطاهم بعض المعلومات عن هذا الإنسان، وعن دوره على الأرض، وما سيعمله في هذه الأرض، طبعاً هذا بالنسبة للملائكة كان خبراً مثيراً، وكان له صدى، وَأَثَارَ- نستطيع القول إن صح التعبير- ضجَّة كبيرة بين أوساط الملائكة: ما قصة هذا المستخلف في هذه الأرض؟ ماذا سيعمل فيها؟ {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30]، على العموم الملائكة اقتنعت في الأخير، وهداها الله في الأخير، وأعطاها الدلائل على جدارة هذا الإنسان بالاستخلاف في الأرض، وأن طبيعة الدور الإنساني، وطبيعة الاستخلاف للإنسان في الأرض تختلف عما يناسب الملائكة، وعن طبيعة الملائكة، وعن دور الملائكة، أنه دور يختلف، لا تتناسب معه الملائكة لتكون هي التي تستخلف في هذه الأرض. |لا| بل إن الذي يتناسب بطبيعة خلقه، وتركيبه، وما يناسبه هو الإنسان الذي يتناسب مع هذا الدور، وصلت الملائكة إلى قناعة تامة، واعتذرت من الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– {قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32]، وسلموا لله تسليماً تاماً تجاه هذا الأمر.

ولكن بعد أن خلق هذا الإنسان، وأعدّه، وجهزه، وأتى به للاستخلاف على هذه الأرض، أتى الأمر من الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– للملائكة بالسجود لآدم -عليه السلام- الملائكة هي فيما هي عليه من إيمان بالله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– هي تعيش حالة الخضوع المطلق لله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– والطاعة التامة لله جلّ شأنه، حكى الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– ما وقع، قال جلّ شأنه: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [ص: 71- 73]، لملائكة بكلهم، بكل مستوياتهم؛ لأنهم مستويات متعددة، الملائكة هم على مستويات، حتى في مقامهم عند الله، وفضلهم عند الله، وبطبيعة دورهم، وتخصصاتهم، ومجالات عملهم كذلك، (كُلُّهُمْ) يعني ما منهم من أحد تعنت عن أمر الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– ولا حاول أن يتنصل عن ذلك، ولا أن يقدم تبريرات للتمنع من ذلك بأنه من الملائكة الذين هم على مستوى أعلى، أو على مستوى أعظم، أو غير ذلك…

أول معصية في الوجود
{فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ}، إبليس امتنع عن السجود، وكانت هذه- كما يفهم من النصوص القرآنية- كانت هي أول معصية لله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– أول عصيان، وأول مخالفة لتوجيهات الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى–إبليس ذلك العابد الموجود في السموات، المتعبد بين أوساط الملائكة وبين صفوف الملائكة كان له موقف مختلف، إبليس استكبر{إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ}، عصى الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– بسبب الاستكبار، المعصية بحد ذاتها هي استكبار، تَعَنُّتْ وَتَمَنُّعْ عن أمر الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– وكل مخلوقات الله ليس لها إلا أن تطيع الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– ليس لها الحق أن تمتنع عن طاعة الله فيما يأمر به، إبليس استكبر، يعني عصى الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– تكبراً، اعتبر أنه لا يليق به، أنَّ هذا حطٌّ من مقامه، حطٌّ من مكانته، حطٌّ من اعتباره وقدره أن يسجد لآدم، وأن يؤمر بالسجود لآدم.

{إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ} [ص:  74]، كفر بذلك حين رفض أمر الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– وتعنت على الله، وعصى الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– وهذه انتكاسة كبيرة جدًّا، وتحوّل سيء للغاية من مقام عظيم من العبادة، والتقرب إلى الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– لدرجة أنه التحق بالملائكة هناك في السموات، وأصبح بين أوساطهم، وفي ذلك المقام المقدّس من العبادة لله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– بين صف الملائكة، تحول إلى كافر، إلى عاصي، وهذا بالتأكيد كان مفاجئاً للملائكة -عليهم السلام- وسبّب لخصومة بين أوساط الملائكة، وبالتأكيد أن الملائكة استغربت منه، تفاجأت بموقفه، خاصمته، ناقشته، حاولت أن تُعيده إلى أن ينتبه، إلى رشده، إلى أن يراجع نفسه، ولهذا قال الله: {مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ}، خاطب النبي محمداً ليقول لأولئك الآخرين {مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [ص: 69]، الملأ الأعلى: هم هناك الملائكة وإبليس أيام كان بين أوساطهم (إِذْ يَخْتَصِمُونَ) هذه الحالة من الاختصام ما بين إبليس والملائكة من حوله، بالتأكيد أنهم فوجئوا بموقفه، وانصدموا بأول معصية لله، واندهشوا كيف هذا العابد، هذا الذي تقرّب، هذا الذي التحق بصف الملائكة، كيف يتصرف هذا التصرف؟ كيف يعصي أمر الله؟ كيف لا يستحي من الله؟ أين عبادته لآلاف السنين؟ كيف لم تقربه من الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى–؟ كيف لم تزك نفسه؟ كيف لم تعزز في وجدانه وفي روحه الانكسار لله، الخضوع لله، الطاعة لله، التسليم لله؟ كيف فجأة يظهر على هذا النحو من التجرؤ على الله، من التعنت، من السوء؟! ظهر في نفسه حالة سيئة جدًّا، ظهر بعيداً عن الحالة التي يفترض بمن بقي يعبد الله آلاف السنوات، الحالة التي يفترض أن يكون عليها: الحالة الروحانية، الحالة الإيمانية، الحالة الكبيرة من الانشداد نحو الله، من التعظيم لله، من المحبة لله، من الخضوع لله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– فكيف ظَهَرَ على نحوٍ مختلف، وكأنه ليس بذلك العابد، وفي ذلك المستوى من العبادة، وفي ذلك الجو، الجو العجيب، يعني جو روحاني، جو في السموات بين أوساط الأعداد الهائلة من ملائكة الله، في جو الذكر الدائم لله، والتسبيح الدائم لله، والإقبال الدائم إلى الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– كل تلك الحالة الروحية كيف اختفت فجأة من باطن هذا المخلوق، من وجدان هذا الكائن؟ وكيف تغيّر كل هذا التغير؟ تَغَيُّر وانعكاس وانقلاب في حالته بشكل عجيب، هذا يدل على أن خللاً ما كان موجوداً وكامناً فيه، لم يصلح بتلك العبادة على مدى ذلك الزمن الطويل، ولم يتغير أبداً، بل إن ذلك الخلل لربما تفاقم وتعاظم وكبر مع الوقت.

إبليس.. وجنون العظمة
إذاً ما هي المشكلة؟ ما هي مشكلة إبليس؟ كيف لم يستفد؟ كيف لم يزك؟ كيف لم ينتفع بذلك الجو العبادي، بذلك الزمن الطويل من العبادة، بذلك الجو الروحاني والإيماني الذي كان يعيش فيه لزمن طويل جدًّا؟ مشكلة إبليس كانت هي الكبر، هي أنه بالزمن الطويل الذي عبد الله فيه، وذكر الله فيه، وعاش فيه في جو العبادة، بذلك المقام الرفيع بين أوساط الملائكة لم تزك نفسه، الذي كان يعظم فيه لم يكن الله من خلال عبادته لله، نفسه كانت هي التي تعظم، كان يشعر بأنه يكبر ويكبر، كان يكبر في نفسه.

الاتجاه الصحيح إلى الله -سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى- في العبادة والطاعة والقربة بشكلٍ سليم، بشكلٍ صحيح، بتوجهٍ صحيح، أنه كلما زاد قربك من الله، كلما استقمت أكثر، كلما عبدت الله أكثر، كلما مضى بك الزمن وأنت في الاتجاه السليم من العبادة والقربة إلى الله، أن يعظم الله في نفسك، أن تزداد شعوراً بالخشوع لله، بالخضوع لله، بالتضاؤل أمام الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– أن تصغر دائماً عند نفسك، وأن يعظم الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– في نفسك، إبليس كان يستشعر أنه يكبر يكبر، ينتفخ كما البالون، ينتفخ ينتفخ ينتفخ إلى أن [انفجر] في يوم من الأيام، هذه الحالة من الشعور بالكبرياء والعظمة، وجنون العظمة، والتضخم النفسي، والتضخم الذاتي تفاقم وبرز وكبر إلى أن أتت مرحلة الاختبار التي كشفت ذلك، وجلّت كل ذلك، واتضح بها كل ذلك؛ لأن الله يختبر عباده، سواءً من الجن أو من الإنس، الكل في مقام الاختبار، وقد تخضع لحالات الاختبار في مراحل حياتك الاختبار المتنوع، في كل مرحلة من مراحل حياتك يختبرك الله اختباراً تجاه جانب معين، قد يأتي لك اختبار تجاه الجانب المعنوي، قد يأتي لك اختبار يلامس جانباً معيناً لدى نفسك، اهتماماً معيناً لدى نفسك، نقطة حساسة في نفسك، تتنوع الاختبارات في مراحل الحياة وفي الطريق.

{إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ}، ولم ينفع فيه نصح الملائكة له، ولا خصامهم معه، ولا ما كان بينه وبينهم من النقاش والجدال والأخذ والرد، في الأخير كلّمه الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– الله تكلم مع إبليس قال له: (قَالَ)  الله  {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}، ما هو المانع لك أن تسجد، الله يخاطبه (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) يعني لما خلقه الله، ليس صنيعةً لإلهٍ آخر، أو لكائنٍ آخر، أو أن الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– أوكل مهمة خلقه إلى أحدٍ من الملائكة. |لا| خلقه الله ونفخ فيه من روحه، كائنٌ خلقه الله، وكرّمه الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى–.

{لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [ص: 75- 76]، حاول أن يناقش الله، وحاول أن يجعل لنفسه الحق في عصيانه لله وتعنته على الله، وأنه هو المصيب، وأن الله هو المخطئ، لاحظوا حالة الضلال التي وصل إليها هذا الكائن، هذا المخلوق، حالة رهيبة جدًّا من الضلال والباطل، فإذًا أصبح له مشكلة: هي مشكلة التكبر، التكبر والغرور والعجب بذاته، والتعالي على الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– وعلى أمره، والمعصية لله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– من منطلق أنه يعتبر نفسه المصيب، ويعتبر أن الله هو المخطئ.

الإجراء الإلهي الصارم
إبليس بعد هذه المشكلة، وبعد هذه الورطة التي وصل فيها بمعصيته لله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– الله جلّ شأنه طرده من السموات، ومن ذلك المقام الذي هو فيه {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا} [ص من الآية: 77] طرده طرداً، وبشكلٍ مهينٍ له {اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُوماً مَّدْحُوراً} [الأعراف من الآية: 18]، طرده من السموات، وأنزله منها، ولم يسمح له بالبقاء فيها؛ لأن السموات ساحة مقدسة لا يسمح فيها بتواجد العصاة {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} [الحجرات من الآية: 34]، الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– طرده منها، وجعله على الدوام مطروداً لا يسمح له بالعودة إليها، بل إذا حاول في أي لحظة من اللحظات أن يعود إليها يرجم بالشهب، وكانت هذه إهانة كبيرة له، ومثلما تحوّل من حالة الطاعة إلى حالة المعصية، طرد من ذلك المقام الرفيع والعظيم والمهم بين صفوف الملائكة ليكون كائناً لا قيمة له، لا احترام له، لا شرف له، لا فضيلة له، لا قدسية له، بل كائناً مذموماً، مخذولاً، مطروداً، رجيماً، خاسئاً، ذليلاً، سيئاً، استبدل القدسية بالسوء، أصبح سيئاً، وأصبح رجيماً، كذلك استبدل القربة إلى الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– والمكانة العالية بين صف الملائكة بماذا؟ كما قال الله -سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى- {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [ص من الآية: 78]، أصبح ملعوناً مطروداً من الساحة المقدسة في السموات، ومطروداً من مكان القربة إلى الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– وملعوناً: مطروداً من رحمة الله، ملعوناً: بمعنى مطروداً من رحمة الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– لا يرحمه الله أبداً، بعيداً عن رحمة الله، لا يناله أي خير من الله أبداً، كل تدبير الله معه من منطلق أن الله سبحانه قد طرده من الرحمة، وطرده من المحبة، لا يحظى بمحبة من الله، ولا برحمة من الله، ولا بخير من الله، كل تدبير الله معه على أساس غضب الله عليه، تدبير يزيده فيما هو فيه من الابتعاد عن رحمة الله، من الولوغ في الشر، في السوء، في الرجس، في الابتعاد عن الخير، في الابتعاد عن الطهارة، في الابتعاد عن الصلاح، فلا يزداد إلا سوءً، ولا يزداد من الله إلا مقتاً، ولا يزداد إلا شراً، ولا يزداد إلا ابتعاداً عن كل ما هو خير وشرف وفضل والعياذ بالله.

{وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ}، يعني يبقى ملعوناً ومطروداً من رحمة الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– إلى يوم القيامة، يوم الحساب، يوم الجزاء، ليلقى آنذاك حسابه وجزاءه، ويكون مصيره إلى جهنم ليكون هو في النار كبير أهل النار أعوذ بالله، ويتحول في هذه الحياة إلى رمزٍ للشر، رمزٍ للفساد، رمزٍ للجريمة، يكون هو قائد المطرودين من رحمة الله وكبيرهم، كبير أهل الرجس، أهل المعصية، أهل الشر، أهل الفساد، أهل الطغيان، أهل الإجرام، كبيرهم هو، لاحظوا هذه الحالة: التحول من أوساط الملائكة في السموات، إلى هذا المستوى الذي انحط إليه، وسقط فيه، وهوى إليه والعياذ بالله.

ردة فعل الشيطان الرجيم
طبعاً هذه الحالة التي وصل إليها جعلته يحمل حقداً فظيعاً جدًّا، وعداءً شديداً لمن؟ لآدم وبنيه؛ لأنه يعتبر أن سبب مشكلته هذه هي آدم وبني آدم، هي الإنسان، أن الذي سبّب له لأن يخسر هذه المكانة، وهذا المقام المقدس بين الملائكة في السموات، وإلى أن يصبح خاسئاً ومطروداً ومخذولاً ولا شرف له، ولا قدسية له، وهو متكبر، يعني لاحظوا مع كبره وتكبره هو يريد أن يبقى شيئا مهماً وكبيراً هناك، هذا الكائن هو استكبر عن أن يسجد لآدم، ويريد أن يبقى هناك كبيراً وضخماً[عَسْر] هناك، لكن النتيجة كانت نتيجة معاكسة، لقد فَقَدَ كل مكانة، وكل شرف، يعني لم تبق المسألة في حدود أنه يتنازل على حسب ما يراه هو، ويظن هو، ويتوهم هو بالسجود لآدم، لم يبق له أي شرف أصلاً، أي مكانة أصلاً، أي قدر أصلاً، أي اعتبار أصلاً، ونزل إلى أحط مستوى، وفقد كل شيء، ذلك التعاظم الذي يريده والتكبر والتعالي لم يبق له أي اعتبار نهائياً.

فهو حمل حقداً شديداً جدًّا، إضافةً إلى ذلك أصبح مطروداً من رحمة الله، وأصبح مصيره إلى غضب الله، إلى جهنم والعياذ بالله، وخسر كل شيء، كل ما يأمله ويريده ويبتغيه من علو المكان، والرفعة، والاعتبار، والقدر، وعلو المنزلة، فَقَدَ كل شيء، وأصبح مطروداً، ورجيماً، وخاسئاً -والعياذ بالله- ومذموماً، ومدحوراً، وملعوناً، ولا يحظى بالاحترام، لا بين أوساط الملائكة، ولا بين أوساط الجن، حتى من هم في صف الشيطان هم لا يحترمونه أصلاً، الآن مثلاً العصاة من البشر هم محسوبون على أنهم في صفه، وأنهم من حزبه، ولكن في الوقت نفسه هو لا يحظى باحترام حتى بينهم، حتى بين أوساط حزبه، الكل من بني أدم [يهود، ونصارى، ومسلمين، ووثنيين]، كل البشر يلعنون الشيطان، ويلعنون إبليس، ولا يحظى بأي احترام لدى أحد، فهو لا يحظى بالاحترام لا بين أوساط البشر، ولا بين أوساط الجن، ولا بين أوساط الملائكة، والنظرة إليه بين الكائنات المفكرة والمدركة أنه كائنٌ رجيمٌ، ملعونٌ، رجسٌ، خبيثٌ، يتسم ويعرف بخبثه، برجسه، بعصيانه، بسوئه، مذمومٌ لدى الجميع، ما يحظى بأي احترام أبداً، فعنده حالة من العداء الشديد جدًّا جدًّا جدًّا، وهو حقود، مخلوقٌ ناريٌ قريب من أن يحقد، وأن يحتفظ بحالة شديدة من الحقد.

ولذلك لاحظوا بعد أن طرده الله -سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى- وقال له {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ}، كان له طلب معين (قَالَ رَبِّ)، هو يعترف بالله، ويعترف بالجنة والنار، وبربوبية الله على كل الخلق، هو يقول لله: (رَبِّ) يا ربي: يعني يذعن يقرّ يقرّ بعبوديته لله، وأن الله ربٌ لكل الكائنات والمخلوقات، وإبليس هو يعرف بالله وبقدرته وبعلمه وعظمته وعزته، وهو –أيضاً- يؤمن بالجنة والنار بالإقرار، يعني يقر ويعرف هذا، يعرف بأن هناك [جنة، ونار، وبعث، وحساب، وجزاء]، يعرف بهذا المسائل بكلها، ولكن معرفة لم ينتفع بها، كما هو حال الكثير من الناس يعرف، يقرّ لك بالله وملائكته ورسله وكتبه، ويقرّ لك –أيضاً– بالجنة والنار والبعث والحساب، لكن إقراراً لم ينبن عليه إيمان، ولا تأثير في النفس، ولا في العمل، ولا في الاستقامة.

(قَالَ رَبِّ) يدعو الله، دعاء بهذا: (فَأَنظِرْنِي)، يعني أمهلني، لا تعاجلني بالموت والهلاك {فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}، يعني أترك لي مهلة أعيش إلى يوم القيامة، {قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} [ص الآية: 80-81]، الله أمهله، من منطلق غنى الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– الله غني، يعني لا يشكّل بقاء إبليس على قيد الحياة أي خطورة على الله، ولا أي مشكلة لله، ولا أي تأثير على الله، هو الغني الحميد، والقوي العزيز، والعلي العظيم -جلّ شأنه- فما هناك أي تأثيرات أو خطورة يمكن أن يشكّلها استمرار إبليس في الحياة لزمن طويل.

{قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ}، بمعنى أن الله أعطاه فسحة إلى يوم الوقت المعلوم، هنا يختلف المفسرون على (يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) [البعض يقول: أنه يوم القيامة، ويقولون -بناءً على ذلك- بأن إبليس سيبقى على قيد الحياة حتى تقوم القيامة، ثم يموت مع الكائنات التي تموت أول ما تقوم القيامة]، البعض يقول: [|لا| قد يكون هذا يوماً قبل يوم القيامة]، الله أعلم! الذي يظهر من خلال النصوص القرآنية أنه سيعمر زمناً طويلاً، وأن المهلة هذه مهلة طويلة.

الانتقام الخطير
بعد ذلك (قَالَ) يعني إبليس (فَبِعِزَّتِكَ)، هو هنا يقسم، وأقسم بعزة الله؛ لأنه يعتبر أنه قسم كبير، وهو حاقد: يعني يُريد أن يقسم على ما سيسعى لهُ، قسم لكن قسم كبير، {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ} لاحظوا هذا الكائن عارف بالله، وعارف حتى بعزة الله، {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص الآية: 82-83]، هو هُنا يقسم بأنه سينتقم أشد وأقسى انتقام من بني آدم، فما هو هذا الانتقام؟ هو يعتبر أن أخطر وأقسى ما يمكن أن يفعلهُ ببني آدم، بهذا الإنسان هو الإغواء لهذا الإنسان، إذا تمكن من إغواء هذا الإنسان فإنه بذلك يكون قد انتقم منه أشد انتقام يمكن؛ لأنه سيودي به إلى الشقاء في الدنيا، وإلى جهنم، يوصله إلى جهنم، وبهذا يعتبر نفسهُ انتقم اقسى انتقام، وفعلاً هذا يعتبر أخطر ما يمكن أن يفعلهُ بالإنسان، أن يسبب له ما يوصله إلى جهنم -والعياذ بالله- وإلى سخط الله في الدنيا والآخرة، وهو هنا يستثني، إبليس استثنى في قسمه، حتى لا يحنث في يمينه قال: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} بمعنى أنه هناك من لا يقدر على إغوائهم، هناك من لن يتمكن من إغوائهم، ولا من السيطرة عليهم، ولا من الإيقاع بهم بما يوصلهم إلى جهنم، الذين عبّدوا أنفسهم لله، وأخلصوا أنفسهم لله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى–.

الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– قال: {قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص الآية: 84-85] بمعنى أن هذا لا يؤثر على الله شيئاً، حينما يتمكن إبليس من إغواء أعداد كبيرة من البشر (من بني آدم) هذا لن ينقص على الله من ملكه مثقال ذرة، ولن يؤثر على الله بشيء، ولن يضر الله بشيء، إنما سيتجلى جبروت الله وقدرته وعذابه وبطشه بتعذيبهم، {قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ} وقد يكون هذا أيضاً قسماً من الله –سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى– {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ} يعني أمامك أنت وهؤلاء الذين يمكن أن يتبعوك، أن تستغويهم {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} مصيركم جهنم، وأمامكم جهنم.

سوف نُتم- إن شاء الله – ما بقي من الحديث؛ لأنه ما يزال هناك الكثير من الحديث حول هذا الموضوع في المحاضرة القادمة إن شاء الله.

نسأل الله -سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى- أن يُجيرنا ويجيركم من تأثيرات الشيطان وكل الشياطين من الإنس والجن، أن يوفقنا وإياكم لما فيه رضاه إنه سميع الدعاء، أن يتقبل منا ومنكم في هذا الشهر الكريم صيامنا وقيامنا وصالح الأعمال، وأن يكتبنا في هذا الشهر الكريم من عتقائه ونقذائه من النار، نسأله أيضاً أن ينصر شعبنا المظلوم، وأن يرحم شهداءنا الأبرار، وأن يشفي جرحانا، وأن يفكّ أسرانا إنه سميع الدعاء..

والسَّـلَامُ عَلَـيْكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه،،،

قائمة الملفات

سلسلة المقالات

موسوعة جرائم الولايات المتحدة الأمريكية

استبيان

آلية التعامل مع فيروس كورونا المقرة من وزارة الصحة هل هي مناسبة؟

الاجابة بـ نعم 81 %

الاجابة بـ لا 81 %

:: المزيد ::

انفوجرافيك

جديد المكتبة الصوتية

أناشيد الذكرى السنوية الشهيد

كاريكاتير

{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}(الإسراء:9)

الشيء الذي يجب أن نهتدي به هو القرآن الكريم. #الشهيد_القائد

كلما ترسَّخ الإيمان في نفسك كلما ارتقيتَ في درجات كمال الإيمان كنتَ جندياً أكثر فاعلية، وأكثر تأثيراً، وأحسن وأفضل أداء. #الشهيد_القائد

من يبصر الشواهد على الحق هو من لا يتغير ولا خلال ألف سنة، وكيف يتغير وهو يبصر في كل سنة، بل ربما في كل شهر، بل في كل يوم يبصر الشواهد على ذلك الحق تعززه في نفسه وتقرره في نفسه وتوسع معانيه في نفسه. #الشهيد_القائد

ينبغي أن يصل الإنسان في التزامه الإيماني وفي تربيته الإيمانية إلى مستوى الاستعداد التام للتضحية في سبيل الله "سبحانه وتعالى" #السيد_القائد

من وفائنا للشهداء ومن مسؤوليتنا تجاههم أن نكون أوفياء مع المبادئ والقيم التي ضحوا من أجلها. #السيد_القائد