الزكاة قرينة الصلاة طهارة ونماء وزيادة 2020-05-05
الزكاة قرينة الصلاة  طهارة ونماء وزيادة

عندما نتحدث عن الزكاة، فنحن نتحدث عن فريضة من فرائض الله العظيمة وركن من أركان الدين وركيزة من ركائز إلى الإيمان، ومن دلائل الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، ومن شواهد الإيمان بالغيب ('الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) [سورة الأنبياء]

لذلك هم يقفون أمام فروض الله وأوامر الله ونوهيه موقف الاستجابة والطاعة والتسليم ، والزكاة هي قرينة الصلاة، وفي أكثر الآيات لا تذكر الصلاة إلا وتلتها الزكاة، جاءت بعدها الزكاة، حتى تظل حاضرة في ذهن كل مؤمن بعد أداء كل صلاة، أن بعدها الزكاة ليظل يتذكرها ولا ينساها ولا تغيب عنه كل يوم، لأنه كل يوم يصلي لا يوجد في الصلاة فسحة ولا رخصة تبيح للإنسان المؤمن العاقل الواعي ترك الصلاة وأخذ راحة أو إجازة لأن الراحة لا تكون إلا بها ولهذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول لبلال مؤذنه : أرحنا بها يا بلال ومن هنا ولحكمة إلهية جعلها الله قرينة الصلاة وتالية في الذكر بعدها ، (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦)'الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧) [سورة فصلت]

وكأن الله وهو يعلم نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ما يقوله لمن لايزال لديه تهاون في أمر الزكاة أو تحايل في أدائها أو أي نظرة غير صحيحة تجاه تسليمها، كأنه وعبر نبيه يخاطب هذا الصنف من الناس الذين لايزال إيمانهم مهزوز إلى هذه الدرجة، لذلك توجه الخطاب إليهم لكن فيه نبرة تهديد، نبرة شدة، نبرة اتهام لهم في إيمانهم (..وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧) [سورة فصلت]

والمؤمن أقل ما ينبغي عليه في إيمانه هو أن يحذر الآخرة وما يكون فيها (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) يخشون ربهم لأنه لا يخفى عليه ما قد يخفى على نبيه أو يخفى على كل إنسان باعتبار ما يغيب عنه من حقائق أما الله فهو الذي يعلم السر في السموات والأرض ('وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤)'أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) [سورة النمل]

الله أحاط بكل شيء علما، أطلع على تفاصيل حياة كل إنسان، والمؤمن هو هذا اعتقاده في ربه أنه بكل شيء عليم، ('رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨)' [سورة إبراهيم]

تجد الكثير من الناس قد ينفق المال ويسخى به في الحرام أو فيما يغضب الله، أو في أي شيء قد يكون بنظره لا بأس به وقد يكون في حكم الله تبذير أو إسراف،

وهو يعتقد أنه مباح له ذلك،  وقد يعطي لهذا الإنسان أو ذاك، مجاملة أو احتراماً أو كسباً للود، ثم يكون بخيلا في وجوه الخير، متحيلا على ما أوجب الله عليه هذا يصدق عليه (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ) صدهم عن الانفاق في سبيل الله وصدهم عن الإنفاق في وجوه الخير والبر الكثيرة، صدهم عن الإحسان والصدقة، وصدهم عن أمور كثيرة مما ذكره الله في القرآن الكريم، لأن من يحتال في الذي هو عليه حق وواجب في ماله، فلن يكون صادقاً وباذلاً لما يراه نافلة أو يراه تبرعاً، وحتى لو أخرج فيما ظاهره خير وبر وطاعة ستكون له نوايا يشركها بهذا الخير من مقاصد ومصالح وغيرها مما يحدث الإنسان نفسه به، لكن الكثير ينسى ويغفل أن الذي يتعامل معه هو الله (الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ )

فترى الإنسان يسخى بالمال في كثير من الأمور والعجيب هو حين يبخل على خالقه ورازقه والمتفضل عليه بجزيل النعم وهو سبحانه يخاطبه ('وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)' [سورة النساء]

فتأمل هذا السؤال ('وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ) الذي يعلم بهم ويراهم ويسمعهم ويعرف أنهم أنفقوا إذا أنفقوا، بل ويعرف صاحب النية الخالصة له والذي ينفق ابتغاء وجهه وطلبا لرضوانه، وماذا عليهم لو آمنوا باليوم الآخر، الذي يلقون فيه كل ما قدموه وقد ضاعفه الله لهم وكثره ونماه، ليفرحوا به في يوم الحسرة ('إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)' [سورة النساء]

تأكدوا أن هذه حقيقة ، وثقوا وصدقوا ('إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) بل هو يضاعف الحسنة الواحدة إلى مستوى قد لا تتخيلوه (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) إذن لتطمئنوا أنه لن يضيع لكم ولا بمقدار ذرة أي شيء تضعونه في يد الله، وتأكدوا أنه لا يمكن أن يغلط في الحساب، ويعرف المقادير والموازين أليس هو الذي علم الإنسان ما لم يعلم('وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)' [سورة الأنبياء] مما يخفيه الناس حين تجب عليهم الواجبات، (وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ) إذن اعلموا هذا ولا تخفوا عنه شيء('وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)' [سورة يونس]

 وعلموا ذلك أولادكم ('يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)' [سورة لقمان]

حتى لا نحاول أن نتلاعب في الحساب أو الموازين أو المقادير أو السجلات التي تحتوي على التفاصيل الحقيقة('وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)' [سورة الكهف]

وإذا كان الله يخاطب في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أناساً بهذه اللهجة الشديدة (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) [سورة النساء]

إلا أنه أتى ليكون خطاباً شاملاً لكل من يكون واقعه على هذه الشاكلة ويتصف بهذه الصفات وتنطبق عليه، ولا يتصور أن الخطاب خاص بالبخل عن الزكاة لأن الخطاب عاماً (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) وانظر إلى ما قبل هذه الآية كيف قال الله سبحانه (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) [سورة النساء]

يعني أن الآية جاءت لتحذر وتتوعد الذين يتهاونون بهذه التوجيهات الإلهية في جانب الإحسان إلى من بينتهم ورتبتهم الآية حين منعهم البخل، حين بخلوا ..

ويبدو أنهم لم يكونوا يكتفون بالبخل، بل ويأمرون بالبخل (وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) الله يذكرهم أنه هو الذي آتاهم من فضله، أليس من الغريب أن يكتموا عنه وهو الذي آتاهم، يكتمون لأن الله وجههم بالإنفاق في أمور كثيرة في الآية السابقة فكانوا ينفقون لكن يخرجها كالمكره، ويخفون منها ما يخفون، حتى لا يدفعوا ما يتقرر عليهم، بالنظر إلى قاعدة ( ..لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا.. (٧) [سورة الطلاق] فيكتم أولئك الذين يبخلون حقيقة ما آتاهم الله لأنهم لو ذكروا الحقيقة فالذي سيلزم عليهم أكثر بكثير من خلال التقدير الصحيح لكن التقدير كان على أساس ما بينوه أنه لا نملك إلا هذا ، لذلك الله يكشف طريقتهم ويقول لهم ولكل من يأتي بعدهم إلى يوم القيامة أنه (الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ) ولو كانوا في إيمانهم بالله يدركون أن الله يعلم الحقيقة وهو قادر على ما يشاء ما بخلوا ولا كتموا ولا خبأوا ولا أخفوا ولكن كتمانهم كشف عن ضعف إيمانهم (..وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ) وليس المقصود بالكافرين الذين ينكرون الله ولايؤمنون بالقرآن والرسول بل الذين يبخلون ويأمرون بالبخل ويكتمون، لأنهم أصروا على البخل وكتمان الحقيقة ولهذا يتهددهم بالعذاب المهين، وهو نوع من العذاب فيه إهانة لهم، لأنهم ما قدروا الله حق قدره، فما أكثر ما يقدر الإنسان الجميل لإنسان مثله لكنه لا يتعامل مع الذي أوجده وأعطاه وملكه ولا في حدود هذا المستوى، فكيف وهو العليم الخبير ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)' [سورة الأنعام]..

ونحن إذا نظرنا في المعنى اللغوي لمفردة زكاة فهي من : زكا يزكو بمعنى نما وزاد، وكما نقول زكا يزكو نقول نما ينمو من النمو والزيادة، وهي أيضاً بمعنى التطهير، وكل هذه الدلالات للمعنى هي مقصودة، لأن القرآن حين يختار المفردة، يختارها بعناية لتكون في التعبير مؤدية للمعنى بصورة واسعة وشاملة ليستعملها في النص بشكل يثير الذهن ويلفت الانتباه ويشد السامع إليه، ويكون البيان في أعلى مستوياته، ولننظر كيف قال سبحانه (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)'وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) [سورة التوبة]

فقوله (تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) وكأن ما يعطونه هو يكون تطهير لهم هم وليس المال، وتزكية لهم هم وليس المال، ويبدو أن النماء يسري إليهم فيكون نماء وزيادة في أنفسهم وأموالهم، ولهذا قال سبحانه (.. فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ۖ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ) بينما هو يظن أن البخل كان لصالحه وإذا هو في حقيقة الأمر عكس ذلك ،(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ) انتبهوا لهذه النقطة بالذات هو الذي يأخذها (يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ)  صحيح أنه أمر عبده فقال (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) لكنه أراد أن ينظروا إليه وهم يخرجون الصدقات ، أراد أن لا ينسوا حضوره وهم يقدمونها ولا يغفلوا عن علمه بما يفكرون فيه وما يحسبونه ويحدثون به أنفسهم، فقال لهم(أَلَمْ يَعْلَمُوا) لكي يعلموا إذا كانوا قد جهلوا هذا (وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) ليتبوا إذا كانوا يجهلون هذه الحقائق، ويفهموا هذه أيضاً(وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ) ..

 ولو تمثل - لذلك الإنسان الذى يبخل على الله - الغيب واقعاً حيا ورأى ما يكون لمن ينفقون ويقدمون من الثواب العظيم والخير الكثير مقابل ما يؤديه ويؤتيه ويبذله، وتمثلت نفسه شخصاً يمنعه من الحصول على تلك المكاسب التي لا يعلم قدرها إلا الله، لمقت نفسه واتهمها بأنها تكره له الفوز العظيم والأجر الكبير، ولربما سعى ليؤدبها وتعارك وتصارع معها حتى لا تحرمه مما رآه وتمثل لعينه، لكن لأن المسألة مرتبطة بالاختبار جُعلتْ المسألة غيبا ('مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ..(١٧٩)' [سورة آل عمران]

لأنه يريد أن يقوم بعملية فرز للناس من خلال مواقفهم وأعمالهم ('وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۗ إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ وَمَنْ تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)' [سورة فاطر]

ومن هنا فهو ملك أناس ما ملكهم ليختبرهم (' تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)'الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) [سورة الملك]

إذن الملك هو بيد الله هو الذي له ميراث السماوات والأرض وما كل ما يُمَلِكه للإنسان ما هو إلا تملك لفترة ما يعطيه من عمر، والقضية في الأخير هي ليتميز الناس (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ)

ثم وبعد أن وعد الله بالأجر العظيم قال ('وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)' [سورة آل عمران]

(يَبْخَلُونَ) بماذا؟ (بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) أليس هذا غريب؟! ('وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ۖ)

المؤمن حين يفهم هذا عن الله هو يتجه في خوفه وخشيته إلى الله، يكون خوفه وتكون خشيته منه، فيستشعر عظمته ويسعى لأن يكون أمامه طيباً وليس خبيثاً، وأن يكون من أهل الوعود لا من أهل الوعيد، يخاف من طوق البخل الذي سيطوق به فهذا النوع من العذاب فيه إهانة ولذلك قال ('الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)' [سورة النساء]

وإذن لابد أن يعي أن التطهير والتزكية حتى يشهد له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويشهد له المؤمنون (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)'يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢) [سورة النساء]

ومفردة (يود) تعني أنه يريد ويتمنى برغبة وبحب أن يكون صادقاً وهو يقدم لآخذ الزكاة تفصيل بما رزقه الله من فضله ليتقرر ما عليه من إنفاق ولا يكتمون ما آتاهم الله من فضله، وهذا الخبر عن واقع حال الذين يكتمون كيف يتمنون في ذلك اليوم وفي تلك اللحظة أنهم لم يكونوا فعلوا ما فعلوا، هذا البيان لماذا؟  من أجل الإنسان الذي وقع في مثل هذا الموقف أن يعود ويتوب إلى الله لأن ما يحصل عليه في الدنيا والآخرة يستحق أن يبذل لأجله نفسه وماله

(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)'وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) [سورة التوبة]

في الأخير كل إنسان يعمل في هذه الدنيا على شاكلته، لكن عليه أن يتذكر هذه الحقيقة (وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) والمؤمن لا تكون الدنيا أكبر همه، أبداً وهو في نفس الوقت لا ينفصل عن إيمانه بالله وما وعد به المؤمنين (لأن الإنسان المؤمن مهما امتلك من الدنيا سيظل دائما ًيرى بأن هناك ما هو أرقى وأفضل هو: أن يعمل صالحاًً ليحصل من خلاله على رضا الله، وليدخله الله بعمله الصالح في عباده الصالحين {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاًً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} (النمل: من الآية19)

.....لأن العلاقة الحسنة فيما بين الناس وما بين أصحاب رؤوس الأموال وما بين الفقراء وأصحاب الحالات المتوسطة قضية هامة جداًَ في تنمية المجتمع، في نمائه من الناحية الاقتصادية، قضية هامة، وفي نفس الوقت في بقائه مجتمعاًَ قادراًً على أن ينهض بمسئولياته في مختلف القضايا : في مجال إعلاء كلمة الله ، في مواجهة أعداء الله.)الدرس12 من سورة البقرة)

والمؤمنون هم الأسخياء حين يتعلق الأمر برضوان الله، وقد تحدث الله عنهم في القرآن الكريم ووصفهم بصفات الإيمان ({وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} يتحدث عن حالات نفسية لديهم هم هكذا، يتحدث عن أعمال ينطلقون فيها هي من خير الأعمال هم هكذا ينفقون أيضا في سبيل الله {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}. في آيات كثيرة تجد في القرآن الكريم كيف أن الإنفاق في سبيل الله، أو الإنفاق هكذا بصورة عامة، والمؤمن هو من يعرف مواطن البر التي يكون لله رضى أن ينفق فيها، وأعظم مواطن البر للإنفاق هو: الإنفاق في سبيل الله، لنصر دينه، وإعلاء كلمته. خاصة في ظروف كهذه، بل قد يصبح من أوجب الواجبات فعلا، من أوجب الواجبات فيصبح ربما أوجب من الزكاة في ظروف كهذه.

معرفة الله وعده ووعيده الدرس الثالث عشر)

 

استبيان

بعد نصح قائد الثورة للإمارات بأن تَصْدق في دعاوى انسحابها من اليمن، وتُوقف دورها في العدوان، وبعد الرسالة المباشرة من خلال عملية (توازن الردع الأولى) التي استهدفت مصفاة الشيبة السعودية على حدود الإمارات.. هل ستستمر الإمارات في ممارسات الاحتلال والعدوان ضد اليمن؟

الاجابة بـ نعم 82 %

الاجابة بـ لا 82 %

:: المزيد ::

انفوجرافيك

جديد المكتبة الصوتية

أناشيد الذكرى السنوية الشهيد

كاريكاتير

أهم عنصر قوة نستفيد منه في مواجهة التحديات والأعداء هو الإيمان الذي نحن بأمس الحاجه إليه. #السيد_القائد

(فُزْتُ وربِّ الكعبة) #الإمام_علي_عليه_السلام

إن الفساد ينتشر، إن الحق يضيع، إن الباطل يحكم ليس فقط بجهود أهل الباطل وحدهم بل بقعود أهل الحق. وأعتقد أن هذا نفسه قد يمثل نسبة 70% من النتائج السيئة. #الشهيد_القائد

لنستلهم من الإمام علي (عليه السلام) الرؤى الحكيمة، التوجيهات الحكيمة في مختلف الميادين، في مختلف المجالات. #الشهيد_القائد

غزوة بدر الكبرى هي حدثٌ عظيمٌ ومهمٌ وكبيرٌ ومؤثرٌ في مسيرة حياة البشرية، وفي مسيرة الإسلام العظيمة. #السيد_القائد