لا تثقوا بالولايات المتحدة (19) 2019-04-12
	لا تثقوا بالولايات المتحدة (19)



هل هناك احصائيات نظيفها مع بلد استباحته؟

 

في شيلي قتلت الولايات المتحدة الرئيس المُنتخب 

من أجل تعزيز الديمقراطية (3 آلاف قتيل و30 ألف مُعتقل ومختفٍ)


نبذة عن شيلي:
تحتل شيلي (أو تشيلي) الجزء الغربي من المخروط الجنوبي في أمريكا الجنوبية، وتمتد سواحلها على المحيط الهادي بمسافة تقدر بحوالي 4828 كيلومتراً، تحدها بيرو من الشمال، وبوليفيا من الشمال الشرقي، والأرجنتين من الشرق، والمحيط الهادي من الغرب. تبلغ مساحتها: 756626 كيلومتراً مربعاً، وعدد سكانها: 12.7 مليون نسمة، وعاصمتها سنتياجو (القديس يعقوب).
غزت إسبانيا تشيلي واستعمرتها في منتصف القرن السادس عشر، واستبدلت حكم الإنكا في شمال ووسط تشيلي، لكنها فشلت في قهر مملكة "مابوتشي" المستقلة التي سكنت جنوب وسط تشيلي . (وبالمناسبة فإن الأنكا حضارة عظيمة بخلاف ما يشيعه الأمريكان عن القوم الهمج القدماء في شيلي الذين يستحقون الإبادة كما يكرّر الرؤساء والفلاسفة الأميركيون ومنهم الرئيس ثيودور روزفلت).
نالت شيلي استقلالها من الاستعمار الإسباني في العام 1818، وحقق شعبها أول حكومة ديمقراطية له سنة 1861. أما ولادة الدستور الأول فقد كانت في 1925 والذي زاد من صلاحيات رئيس الجمهورية. ومنذ هذا العام وحتى عام 1970 كانت تشيلي من الناحية السياسية مسرحاً لصراعات سياسية بين القوى الإشتراكية اليسارية والشيوعية المتنامية من ناحية، والقوى اليمينية (حبيبة الولايات المتحدة) التي سلّمت ثروات شعب تشيلي ومقدّراته للولايات المتحدة وشركاتها من ناحية أخرى.

بلدٌ استباحته الشركات الأميركية:
كانت أبرز الشركات الأمريكية العاملة في شيلى هى شركة "اناكوندا" و "كينوكوت" العاملة في مجال النحاس، وشركة "أى تى تى" العاملة في مجال الاتصالات، وكلا الشركتين العاملتين في مجال استخراج النحاس أرادتا أن توسّعا الخصخصة في هذا القطاع في جبال الانديز في مدينة "التنينتى" والتي تمتلك أكبر مخزون من النحاس في العالم. في نهاية عام 1968 وحسب وزارة التجارة الأمريكية، فالشركات الأمريكية القابضة التي تعمل في شيلى في ذلك الوقت تقدر قيمتها بـ (964) مليون دولار، تستحوذ شركتا النحاس على 28% منها، بينما قُدّرت استثمارات شركة اى تى تى العاملة في مجال الاتصالات في ذلك الوقت بـ 200 مليون دولار. وفى عام 1970، وقبيل انتخاب أليندى استحوذت الشركة على 70% من الشركة الشيلية "تشيتلكو" العاملة في مجال الاتصالات.
كان الفقر واللامساواة والجهل من جهة، والثراء الفاحش من جهة أخرى، السمة المميزة للمجتمع الشيلي في ظلّ الحكومات التي سبقت حكومة سلفادور ألندي . كان %28 من الشعب يحصل على أقل من %5 من الدخل القومي للبلاد، بينما يحصل %2 على %46 من إجمالي هذا الدخل . وكانت تلك الشركات الأميركية تتدخل في اختيار وفوز المرشحين للإبقاء على سطوتها واستنزاف موارد البلاد . نشرت الجريدة اليمينية الشيلية وثيقة للمخابرات الأمريكية تفيد بان شركة اى تى تى موّلت المرشح "اليسندرى" المنافس لسلفادور ألندي بمبلغ 700 ألف دولار أمريكى وبمساعدة المخابرات الأمريكية في تحويل الأموال بطريقة آمنة وغير مكشوفة . وقام رئيس شركة اى تى تى في ذلك الوقت "هارولد جينين" بعرض مبلغ مليون دولار على المخابرات الأمريكية للمساعدة في منع فوز أليندى في الانتخابات.
وقد تكلّل نضال القوى اليساريّة بعد كفاحٍ طويل وإضرابات عمّالية ومصادمات وتضحيات دامية بفوز مرشّح تحالف الوحدة الشعبيّة (الحزب الإشتراكي والحزب الشيوعي) الدكتور "سلفادور أليندي" في الإنتخابات عام 1970 وتسلّمه رئاسة الجمهوريّة .

من هو سلفادور أليندي؟:
سلفادور إيزابيلينو أليندي غوسينز هو: طبيب وسياسي تشيلي وُلد في 26 يونيو 1908 وتوفي في 11 سبتمبر 1973. يُعتبر عموماً أول رئيس دولة في أمريكا اللاتينية ذي خلفية ماركسية انتُخب بشكل ديموقراطي. احتل منصب رئيس جمهورية تشيلي منذ 1970 وحتى 1973 عند مقتله في الانقلاب العسكري الذي أطاح بحكمه.
عمل أليندي في الحياة السياسية الشيلية مدة تصل إلى حوالي أربعين عاما. لكونه عضوا في الحزب الاشتراكي في تشيلي, صار عضوا في مجلس الشيوخ، ونائبا برلمانيا، ووزيرا للصحّة . ترشّح للانتخابات الرئاسية في الأعوام 1952 و1958 و1964 ولكنه لم يفز بأيٍّ منها. في عام 1970، فاز بالرئاسة حيث تنافس عليها هو وسياسيين اثنين آخرين.
لقد اتضحت ملامح رؤيته، فترة ائتلاف الوسط ـ اليسار (19381947)، وخاصة مع حكومة "بيدرو أغير سيردا" حيث شغل أليندي منصب وزير الصحة.
ولأن نتائج انتخابات 1958، جعلته قاب قوسين من الانتصار، فقد أصبح مُرشداً للقوى الوطنية طيلة سنوات الستينات.
أليندي، تجاوز كثيرا الشيوعيين، الذين لم يتخلّوا أبدا عن مفهوم أرثوذكسي للاشتراكية المتوخاة، وظلوا متشبثين بمنطق اللحظة الحاسمة للاستحواذ على "كل السلطة"، ولأنها أساسية، فقد أجّلوها في الزمان، انطلاقا من شعار الاستعارة المشهورة لقائدهم "لوي كورفلان Luis Corvalan " حين أشار إلى "المصير الحتمي لقطار الاشتراكية"، أو كما قال بالضبط: "سيصل القطار إلى غاية منطقة « Puerto montt » في أقصى جنوب الشيلي، وقبل تلك المحطة سينزل بعض الحلفاء المؤقتين" .
وحتى، حين تسلم السلطة، رفض أليندي التخلي عن إتجاهاته الإنسانية بالالتجاء إلى الاستبداد . كما فعل تقريبا كل الرؤساء منذ سنة 1932. هذا المنحى، أضفى طابع الليونة على "ثورته" في مواجهة أعدائها. غير أن مستوى الأزمة بداية سنة 1973، أجبره على أن يطارد قانونيا، ليس فقط بعض مجموعات المعارضة، لكن كذلك مكوّنات يسارية تعارض سياسته.
لم يستهدف أليندي، خلق إصلاح جديد ولا الدعوة إلى طريق اشتراكي ديمقراطي، لكن الأمر تعلق عنده بتجذير للديمقراطية في كل قطاعات الحياة الاجتماعية محور التغير المجتمعي، هنا تكمن طبيعته الثورية، ساعيا إلى عدم استعمال العنف لحل إشكالية السلطة. لكن، للأسف، كان هذا "منظور" سينعكس سلبيّاً على مستقبل المثل الاشتراكي.
انصبّ همّ أليندي على البحث عن طريق أمريكي لاتيني للثورة، خاصة تلك التي تستلهم فكرة "الطريق الثالث" لمبتكرها "فيكتور راوول هايا Victor Raul Haya" الذي أسّس سنة 1924 التحالف الشعبي الثوري الأمريكي، ووضع في مرحلة أولى برنامجا وطنيا ذا صبغة ماركسية، عبّأ بواسطته قوى هنود ومثقفي البيرو.


ما الذي حقّقه ألليندي؟:
سعى أليندي فور تنصيبه إلى القيام بالعديد من الإصلاحات البنيوية للتحوّل بالبلاد من النظام الرأسمالي واقتصاديات السوق المفتوح إلى النظام الاشتراكي، وذلك لتحقيق العدالة الاجتماعية، حيث كان %28 من الشعب يحصل على أقل من %5 من الدخل القومي للبلاد، بينما يحصل %2 على %46 من إجمالي هذا الدخل، ومن ثم عمد أليندي إلى إصلاحات هيكلية، تضمنت تأميم العديد من الصناعات وإعادة توزيع الأراضي، وذلك لمعادلة ميزان القوى بين النخبة الاقتصادية الرأسمالية من جانب والطبقة العاملة من الجانب الآخر. كما وُضعت إدارة المصارف ناهيك عن الشركات متعددة الجنسية تحت إشراف الدولة، كجزء من النهج الذي وعد به بنظام إشتراكي مبني على الديمقراطية.
كان أليندي بشكل رئيس، اشتراكيا ديمقراطيا، قريبا من النموذج الأوروبي، وكان يدعو إلى إعادة توزيع الثروة لمساعدة الفقراء في مجتمع شيلي الطبقي . وقد كان اليندي طبيباً . هكذا قام بإنشاء برنامج يقتضي توزيع الحليب بشكل مجاني على نصف مليون من الأطفال الفقراء ذوي التغذية السيّئة . كما دعا إلى تأميم معظم الصناعات كالتنقيب عن النحاس وذلك من أجل سياسة الاستقلال الوطني، أي أن شيلي لن تستسلم ببساطة للولايات المتحدة، بل ستسير قدما في طريق الإستقلال .


الولايات المتحدة عادَتْ أليندي منذ عام 1964 !:
كان قد سبق للولايات المتحدة أن تدخلت لمنع أليندي من الفوز عام 1964 . وفي الحقيقة، عندما تساءلت اللجنة الكنسية حول ذلك بعد سنين، اكتشفت أن الأموال التي صرفتها الولايات المتحدة لشراء أصوات الناخبين لصالح مرشحين أرادتهم في الانتخابات التي جرت عام 1964، وجدت أنها كانت أكثر من تلك التي صرفها كل من جونسون ونمولدووتر في الانتخابات التي جرت في العام نفسه في الولايات المتحدة.
وقد تم اتخاذ اجراءات مماثلة عام 1970 لمنع حدوث انتخابات ديمقراطية . كما كان هناك قدر هائل من الدعاية المناهضة لأليندي حيث قيل أنه – في حال نجاحه – سيتم إرسال الأولاد إلى روسيا ليصبحوا عبيدا . وكلام من ذلك النوع . هذا بالإضافة إلى تهديد الولايات المتحدة بتدمير اقتصاد البلاد، وذلك ما حصل فعلا . ومع ذلك فاز أليندي .

الشيطان الأمريكي يستعد للدفاع عن الديمقراطية:
كانت إمكانية فوز سلفادور أليندى في الانتخابات كارثة للولايات المتحدة الأمريكية، التي أرادت حماية مصالحها من خلال منع أى انتشار للاشتراكية إبان الحرب الباردة.
في سبتمبر عام 1970 أخبر الرئيس نيكسون مستشاريه أن وجود حكومة يرأسها أليندى أمر غير مقبول، وقام بتخصيص مبلغ 10 ملايين دولار (ما يُعادل 60 مليون دولاراً اليوم) لمنع وصول أليندى إلى السلطة.
قامت لجنة الأربعين برئاسة "هنرى كيسينجر" مع المخابرات الأمريكية بالعمل لمنع أليندى وإعاقة تنصيبه رئيسا من خلال خطة سرية تم تسميتها Track I والخطة Track II، أى المسار واحد والمسار اثنين. وسعت الخطة المسار واحد إلى منع أليندى من الوصول للسلطة من خلال ما يُسمى بالاحتيال البرلمانى، بينما سعت من خلال الخطة المسار اثنين إلى اقناع بعض القيادات العسكرية في الجيش الشيلى للقيام بانقلاب عسكرى.
وفى خلال رئاسة الرئيس نيكسون سعت الولايات المتحدة إلى منع انتخاب أليندى من خلال دعم الأحزاب السياسية المعارضة والمتحالفة مع "جورج أليسندرى" مُرشّح المعارضة، وكذلك دعم الاضرابات في قطاعى النقل والتعدين ولكنها فشلت. تم تنفيذ الخطط والتي اشتملت على حملات تشهير إعلامية وتجييش للطبقات الأكثر غنى في تشيلي وشراء ولاءات العسكر بالأموال. رأس حرب الجهود ضد الليندي ضباط للسي آي إيه عملوا لمدّة 3 سنوات في تشيلي. وخالطوا ضباط الجيش ﻹقناعهم بالتخلص من الليندي وأعطوهم أموالا ورواتب شهرية، ووصل بهم الحال إلى اختطاف وقتل من رفض الخطة من الضباط.
خطّة "الإحتيال البرلماني" تمثّلتْ في أنّه بعد انتخابات عام 1970 حاولت الولايات المتحدة أن تُقنع الرئيس الحالى "إدواردو فراى مونتالفا" أن يقوم بإقناع حزبه للتصويت لصالح "اليسندرى" في البرلمان قبل أن يقوم بتسليم السلطة، وفى حالة نجاح اليسندرى سيقوم بالتنازل عن السلطة والدعوة لانتخابات مبكرة ليتيح الفرصة مرة أخرى للرئيس "ادواردو" للترشح مرة اخرى حيث إن الدستور الشيلى في ذلك الوقت لا يسمح إلا بفترة رئاسية واحدة للرئيس مع إمكانية ترشّحه لفتره ثانية غير تالية لفترة رئاسته. وطبقا للخطة المسار واحد سيتمكن ادواردو من الترشح والعودة مرة أخرى إلى السلطة. وعلى العكس من ذلك انتخب البرلمان "سلفادور أليندى"، ووضع شرطا لذلك هو أن يقوم أليندى بالتوقيع على وثيقة دستورية تضمن احترامه وخضوعه للدستور الشيلى وأن التعديلات الذي سيقوم بها لن تتعارض مع مواد الدستور. هنا تمّ تعطيل الخطة المسار اثنين انتظاراً لما سيسفر عنه هذا الإتفاق. لكن ألندي سار قُدُماً في محاولة التخلّص من السيطرة الأميركية.

الشيطان الأمريكي .. يتحرّك:
بعد أيام من فوز ألندي استدعى نيكسون ريشارد هيلمز مدير وكالة المخابرات المركزية وهنري كيسنجر وزير خارجيته وصار الإتفاق على عمل عسكري لتدمير تشيلي ولخّص السفير الأميركي الخطة بالقول:
"سنفعل كل ما بوسعنا لجعل تشيلي وأهلها يعيشون حالة قصوى من الفقر والحرمان" .
ومن هنا بدأت الضغوط السياسية والاقتصادية على تشيلي من الولايات المتحدة. ولا ننسى هنا مقولة هنري كيسنجر: “لا أفهم لماذا يجب أن نقف ونساند بلداً يتحول الى الشيوعية بسبب قلّة المسؤولية لدى شعبه” . نعم . هذا ما قاله كيسنجر الأميركي داعية الليبرالية والديمقراطية ومستشار الأمن القومي آنذاك. وبحسب مدير CIA في العام 1970، ريتشارد هولمز، كان “المطلوب أن يصرخ الاقتصاد في شيلي” اشارة الى الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة لخلخلة حكم أليندي الإشتراكي في تشيلي، من خلال تمويل الجماعات السياسية المعارضة ووسائل إعلامها في تشيلي والتي كانت تعمل بكل حرّية. كما درّبت CIA عناصر من ميليشيات معارضة موّلتها شركات امريكية لها مصالح اقتصادية مثل "آي تي تي" . جاءت الانتخابات النيابية للعام 1973، لتزيد من قوة أليندي مع نيل حزبه 6 مقاعد نيابية إضافية في وقت كان خصومه اليمينيون يتوقعون أن يخسر الانتخابات، ما صعّد الموقف السياسي.
وتفيد وثائق مؤكّدة بأن المخابرات المركزية الأميركية موّلت إضراب سائقي الشاحنات الذي تسبّب في الفوضى الاقتصادية التي سبقت الانقلاب كما موّلت الانقلاب العسكري (فعلت الولايات المتحدة الشيء نفسه بعد ثلاثين عاماً بتمويل معارضي هوغو شافيز في فنزويلا ). (راجع الحلقة الخاصّة بفنزويلا) .
أدت هذه الضغوط الخارجية والمقاومة الداخلية إلى حالة من الاضطراب السياسي والفوضى المجتمعية، وتراجعت المؤشرات الاقتصادية إلى أدنى مستوياتها وتصاعدت وتيرة الاستقطاب الأيديولوجي وموجات العنف، وتعدّدت عمليات الاغتيال والتفجيرات التي أودت بحياة الكثيرين من الأبرياء، وتراجع مستوى الخدمات إلى أدنى معدلاته، وراحت معاول الهدم تضرب على جسد الدولة والمجتمع بلا رحمة، مما دفع بالجنرال براتس، قائد الجيش آنذاك، إلى الاستقالة من منصبه، على الرغم من سجل المؤسسة العسكرية النظيف من أي تدخلات في الشأن السياسي، مقارنة ببقية دول أمريكا اللاتينية، ليأتي الجنرال أوجستو بينوشيه على رأس هذه المؤسسة في 21 أغسطس (قبيل الانقلاب بأقل من ثلاثة أسابيع) بقرار من الرئيس سلفادور اليندي ليكون "بروتوس" الذي سيوجّه الطعنة إلى قلبه.

كيسنجر يخشى على إيطاليا من شيلي !!:
صحيح أن شيلي بلد كبير المساحة غني بمصادره الطبيعية، ولكن الولايات المتحدة لن تنهار إذا استقلت عنها تشيلي . إذن لماذا كل ذلك الإهتمام بشيلي؟
طبقا لقول هنري كيسنجر: "تشيلي فيروس يعدي المنطقة ويمتد تأثيره إلى إيطاليا !" .
وقال كيسنجر في مناسبة أخرى: "الإشتراكية الديمقراطية في شيلي مثال معد .. جرثومة معدية يخشى أن تصل بعدواها إلى بلدان بعيدة أخرى كأوروبا الجنوبية فلابد من اجتثاث مصدر العدوى" .
برغم 40 سنة من تدخل المخابرات المركزية الأميركية في ايطاليا مازال بها حركة عمالية . فإذا ما نجحت حكومة ديمقراطية اشتراكية في شيلي فستصل رسالة الخطيئة إلى الناخبين الايطاليين حسب قول هنري كيسنجر، فافترض أنهم سيتعلقون بأفكار غريبة عن حكمهم، على الرغم من كل ما عملته المخابرات الأمريكية طوال أربعة عقود.

خاصيّة سيكولوجية أميركية: رعب الأمن القومي:
يقول تشومسكي إنّ الشعب الأمريكي من أكثر الشعوب خوفاً ورعباً خلاف ما يُظهر من قوّة حتى أصبح رعب الأمن القومي نفسي المنشأ . فبناء الأسطول الأمريكي في ثمانينات القرن 19 كان مبرره "الصور المُرعبة التي تخيّلها البعض للبوارج البريطانية والتشيلية والبرازيلية، بل والصينية، وهي تقصف المدن الأمريكية" . كما كان مبرر الإستيلاء على هاواي إيقاف الهجوم الإنكليزي خارج الأرض الأمريكية الواقعة تحت رحمة زوارق بريطانيا في المحيط الهادىء، وصوّر البحر الكاريبي والأرض الأميركية نفسها، وقد وقعت تحت تهديد الأسطول الألماني قبل الحرب الأولى . ولكي يُحضّر بلده للدخول في الحرب الثانية في اكتوبر 1941 تحدث الرئيس "روزفلت" عن "خريطة سرّية رُسمت من قبل حكومة هتلر لإخضاع كل القارة الأمريكية للسيطرة الألمانية" .. رونالد ربغان كان يُحذّر من أن الساندينيين النيكاراغويين على مسافة ساعتين من التحليق الجوي على حدودنا، وعلى مسافة يومين من تكساس . وحتى قبل الحرب الباردة قال الرئيس "جون كوينسي آدامز": "لدى الولايات المتحدة مشروع عظيم لتطهير القارة الأمريكية من أولئك المُقدّر لهم الإنقراض فهم من حيث الجنس لا يستحقون البقاء لأنهم أدنى من العرق الأنجاو سكسوني وليسوا سلالة مُحسّنة . ومن ثم فإن اختفاءهم من العائلة البشرية لن يفقدها الكثير" . ثم اعتذر – وكالعادة بعد أن أباد الناس قائلا: "إن السياسة التي اتبعها ارتكبت من الذنوب الشائنة للأمة الأمريكية ما سيحاسبنا الرب عليها، متمنيا أن وعيه المتأخر ربما يُكفّر عمّا ارتكب بحق أولئك التعساء من الأمريكيين الأصليين الذين سحقناهم بوحشية مُفزعة" . كانت الإبادة تحت غطاء مبدأ قانوني أعلن عنه الرئيس مونرو وبموجبه لابد أن يفسح الجنس الوضيع المجال للجنس الأكثر رقيا وقوة وتحضراً" .

الشيطان الأمريكي ينقض:
امتدت المواجهة ضد إجراءات حكومة الوحدة الشعبيّة هذه لتشمل النخبة الاقتصادية وكبار رجال الأعمال الذين رأوا في هذه السياسات الجديدة التي اتبعها أليندي، تهديدًا سافرًا لامبراطورياتهم الاقتصادية ومراكزهم السياسية داخل البلاد، ومن ثم انبروا بلا هوادة للعمل على إرباك الدولة وشل مرافقها الحيوية بافتعال العديد من الأزمات في قطاعات الصناعة والزراعة والمواصلات التي تخضع لملكيتهم الخاصة، وذلك عبر سلسلة من الإضرابات، توقفت على إثرها زراعة الأراضي، كما تعطلت وسائل المواصلات عن الحركة والمصانع عن الإنتاج، أما أبرز هذه الإضرابات، فجاء من قبل سائقي الشاحنات، والذي استمر بداية من تموز وحتى الانقلاب العسكري .
ففي يوم الثلاثاء 11/9/1973 (لاحظ يوم 11 أيلول/ سبتمبر !)، وبعد سنوات من إعمال الولايات المتحدة هدماً في الديمقراطية التشيلية وتدعيما للإرهاب وجعل الإقتصاد يئن وجعاً، هاجمت قوات الجنرال بينوشيه القصر الرئاسي التشيلي . بدأت القوات الجوية بقصف قصر الشعب (المقر الرئاسي)، قبل أن يقتحمه جنود الجيش للقبض على «أليندي» الذي رفض عرضا بمغادرة القصر والبلاد هو وأسرته ومن يريد من أعوانه، بل ارتدى الوشاح الرئاسي الذي ميّز رؤساء تشيلي طوال قرنين من الزمان. كانت إبنته "إيزابيل ألليندي بوسي" آخر من زاره، وحين بدأ قصف الطائرات والدبابات والمدفعية على القصر الرئاسي طلب من النساء الخروج بسرعة، وتركه يقاوم القتلة .
قضى الرئيس المنتخب سلفادور ألليندي نحبه في القصر، انتحارا على ما يبدو لأنه لم يكن مستعدا للإستسلام أمام الهجوم الذي دمّر أعرق الديمقراطيات وأكثرها حيوية في أمريكا اللاتينية، وأقام بدلا منها نظاما للتعذيب والاضطهاد .. في غضون ذلك انبرت واشنطن تساند بحزم وقوة نظام حكم بينوشيه القائم على العنف والإرهاب .
قُتل «أليندي» وجميع من بقي معه وحتى الآن لا يعلم أحد هل انتحر مُفضّلاً ذلك عن سقوطه في يد بينوشيه ورجاله، أم تم إعدامه، أم أنه قاوم القوة المناط بها اعتقاله فأردته قتيلاً .
ولمقتل أليندي روايتان متنازعتان، الأولى رسمية تُفيد بأنه انتحر بطلقات مسدس رشاش كُتب على كعبه المُذهّب:
(إلى صديقي الطيب سلفادور من فيديل كاسترو)،
والأخرى يعتنقها مؤيدوا أليندي بقوة وبشكل موحد، تُفيد بقتله على أيدي الانقلابيين، وهناك نسخة أخرى من رواية القتل تصر على أنه قُتل في معركة على بعد خطوات من القصر الرئاسي.

حكمة كاسترو:
يكتنز المناضل العظيم "فيدل كاسترو" الكثير من الحكمة والنظر النافذ إلى شؤون أمريكا اللاتينية، والبصيرة الثاقبة في سلوك الولايات المتحدة الإجرامي . ومن المؤكّد أنّ الرئيس كاسترو لم يكن ساذجاً أو بلا ذوق، كي يقوم بإهداء ضيفه ألندي بندقية، وضيفه رجل ديمقراطي مُسالم . إنّها – من وجهة نظري – لفتة حكيمة أراد منها أن يلفت بصر ألندي وبصيرته إلى هذا الوحش الرابض عند الأبواب ليفتك به بلا رحمة .

وجهة نظر: ما هي "خطيئة" ألليندي؟:
وارتباطاً باللفتة الحكيمة للمناضل الرئيس فيدل كاسترو، نقدّم وجهة النظر هذه لأحد المحلّلين السياسيين:
(التحليل التقليدي للانقلاب الذي قام به العسكر بقيادة بينوشيه في تشيلي يتبنى منطق المؤامرة الثلاثية ضد اليندي وحكومته، وأركان المؤامرة الثلاثة هم: المخابرات المركزية الأمريكية، والمجلس العسكري التشيلي، وممثلي الرأسمالية التشيلية الكبيرة، وهي أطراف كانت متضرّرة من سياسات اليندي الاجتماعية التي جعلت تشيلي خارجة عن سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية والرأسمالية العالمية، فدبّروا المؤامرة للتخلص من اليندي وسياساته ليتولى بينوشيه قيادة البلاد ويعود بها من جديد إلى حظيرة التبعية ويعود لتبني سياسات الاقتصاد الحر التي تخدم المصالح التقليدية للولايات المتحدة والجنرالات وكبار رجال الأعمال.
يبدو التحليل التقليدي منطقياً، خاصة مع ما يُعرف عن العلاقات الدائمة التي تجمع ما بين الولايات المتحدة والقادة العسكريين لجيوش العالم الثالث، سواء عن طريق المعونات العسكرية والمناورات والتدريبات المشتركة وهي العلاقات المُعلنة، أو عن طريق صفقات الأسلحة والعمليات المخابراتية وهي العلاقات التي تبقى سرية. أيضاً، مما يدعم هذا التحليل تضرّر الولايات المتحدة من تأميم اليندي لمناجم النحاس التشيلية والتي كانت خاضعة لاستغلال الشركات الأمريكية، والعبارة التي وردت على لسان وزير الخارجية الأمريكي في هذا الوقت هنري كيسنجر: "لا أفهم لماذا يجب أن نجلس جانباً ونراقب دولة تسير في طريق الشيوعية نتيجة لعدم تحمل شعبها المسئولية .. المواضيع أكثر أهمية بالنسبة للناخبين التشيليين من أن تترك ليقرروها بأنفسهم".
فبرغم أن الوحدة الشعبية كانت تتكون نظرياً من أكثر الأحزاب راديكالية، والتي نجحت في أن تتحد خلف اليندي كمرشح واحد للمعارضة في انتخابات 1969 يجذب أصوات كل الناخبين الراغبين في إحداث تغيير جذري في حالة البلاد، وبرغم إصرار الحزب الشيوعي التشيلي والحزب الاشتراكي التشيلي القطبان الرئيسيان في حكومة الوحدة الشعبية على تسمية عملية وصول الليندي لرئاسة الجمهورية في 1970 بالثورة السلمية وأنها تفتح آفاق لتغيير المجتمع التشيلي عن طريق العملية السياسية البرلمانية البرجوازية التقليدية، إلا أن أداء اليندي وحكومته لم يتجاوز سقف الحكومة الاصلاحية التي سبقته.
فحكومة اليندي لم تطرح قانوناً جديداً للإصلاح الزراعي بخلاف ما طرحته الحكومة السابقة، ولم تسترد المصانع لصالح العاملين فيها، بل أنه في أحد التعديلات الوزارية تم تشكيل وزارة من جنرالات الجيش، هذا بالإضافة إلى أنّ اليندي كان قد وقع على اتفاقية مع ممثلي الرأسمالية التشيلية سُمّيت "قانون الضمانات" يتعهد فيها بعدم إحداث أي تغيير جوهري في بنية مؤسسات الدولة القديمة، أي أنه ألزم نفسه بالعمل من خلال المؤسسات القديمة وبالأسلوب القديم ذاته، وفوق هذا عندما حدثت إضرابات عمالية في بعض الأقاليم أعلن الليندي حالة الطوارئ ووضع الأمور كلها في يد الجيش.
إذاً، فحكومة اليندي لم تكن تشكل الخطر الذي يدفع ثلاثي للمؤامرة للإطاحة بها، لكنها كانت حكومة إصلاحية مثل حكومات كثيرة في العالم الثالث وفي أمريكا اللاتينية تحديداً يمكن الضغط عليها باستمرار لتقليل هامش التغيير الاجتماعي الذي تسمح به.
لكن الخطر الحقيقي على المصالح الأمريكية، وامتيازات جنرالات الخونتا، ومشروعات كبار الرأسماليين (وعلى إيطاليا وأوروبا الجنوبية حسب قول كيسنجر)، كان في الواقع هو الحراك الشعبي المتزايد والذي أدى لنجاح حكومة الوحدة الشعبية في الانتخابات، واكتسب الثقة من هذا النجاح، وانطلق وتعزّز عبر النضالات العمالية والفلاحية المستمرة لاحداث تغيير حقيق وجذري.
فالاضرابات العمالية المتزايدة التي وصلت للاضراب العام في سنة 1968 هي التي زعزت الحكومة السابقة لحكومة اليندي، وبتضافرها مع موجة من احتلال الأراضي بواسطة الفلاحين المُعدمين، وتنظيم فقراء المدن من العاطلين وأصحاب المهن الهامشية أنفسهم للنضال من أجل حقوقهم في السكن والخدمات الأساسية، استطاعت هذه الحركة الاجتماعية وهذا المد الطبقي أن يترجم في الانتخابات باختيار سلفادور اليندي باعتباره مرشح أكثر الأحزاب جذرية.
وباحساس الجماهير بقوّتها في الانتخابات زادت الحركة العمالية قوة وثقة، وبدأت حركة الفلاحين للاستيلاء على الأراضي من كبار الملاك تنتشر أكثر وأكثر، وحاول اليندي أن يكبح جماح هذه الحركة حتى لا يخسر ثقة الرأسمالية التشيلية، لكن الحركة استمرت وأبدع العمال التشيليون شكلاً جديداً من اللجان العمالية على مستوى المناطق أسموه “الكردون“، وقادت الكردونات النضالات في نفس الوقت التي بدأت الرأسمالية التشيلية تقلق وتدبّر تحرّكاتها لكسر حركة الجماهير، بدءاً من اضراب لأصحاب الشاحنات وحتى محاولة فاشلة لانقلاب عسكري في بدايات 1973، لكن تنظيم العمال والطبقات الشعبية لأنفسهم وتشبيك هذه الكيانات أفشل كل هذه التحركات، وأثبت أن الطبقة العاملة يمكنها أن تقود الثورة الاجتماعية في تشيلي لتحدث تغييرات جذرية في المجتمع التشيلي.
لكن اليندي لم يُدرك هذا الدرس الذي أدركه أعداؤه – الولايات المتحدة، الخونتا، الرأسمالية التشيلية – وكانت "خطيئته" الكبرى أنه بدلاً من أن يعزّز هذا النضال باعتباره قاعدته الشعبية التي يمكن أن يستند عليها ليتخذ إجراءات ثورية حقيقية، لجأ إلى الاستناد على الجيش فشكّل وزارة جديدة من جنرالات الجيش معتقداً أن هذه هي الوسيلة التي يمكن أن يمنع بها الأوضاع من الانفجار، لكن ثلاثي المؤامرة الذي كان قد اتخذ القرار بتصفية الحركة الجماهيرية التشيلية وجنين الثورة الشعبية داخلها ووجدها الفرصة السانحة لإعادة ترتيب الأوراق استعداداً للانقلاب).

الخطاب الأخير للرئيس أليندي قبل استشهاده:
قبل دقائق من قصف القصر الجمهوري توجّه «أليندي» عبر إذاعة سرية بخطابه الأخير للأمة.، قائلاً:
(أصدقائي
بالتأكيد ستكون هذه فرصتي الأخيرة للحديث معكم. فالقوات الجوية قصفت أبراج راديو بورتاليس وكوربوراسيون.
كلماتي هنا لن تحمل المرارة بل خيبة الأمل. ليكن ذلك عقابا أخلاقياً لأولئك الذين خانوا قسمهم من جنود تشيلي، الأميرال مورينو، الذي نصّب نفسه قائدا للبحرية، والسيد ميندوزا، الجنرال الحقير الذي تعهّد بالأمس فقط بالإخلاص والوفاء للحكومة ثم نصّب نفسه رئيسا للشرطة الوطنية.
بعد هذه المعطيات، لم يعد لدي شيئا أقوله للعمّال سوى أنني لن أستسلم.
في هذا المنعطف التاريخي، سأدفع حياتي ثمناً لولائي للشعب. وأقول لهم أني على تمام الثقة أن البذور التي زرعناها في ضمائر الآلاف والآلاف من المواطنين التشيليين لن تذهب هباءً.
هم لديهم القوة لحكمنا، ولكن الصيرورة الاجتماعية لا تُحكم بالجريمة أو القوة. التاريخ ملك لنا، والشعوب تصنع التاريخ.
عمّال بلادي، أشكركم لولائكم، الثقة التي أودعتموها في شخص لم تكن إلّا ترجمة لتطلعاتكم العظيمة نحو العدالة، وهذا الشخص أقسمَ على احترام الدستور والقانون، وها هو يفعل.
في هذه اللحظة الحاسمة، اللحظة الأخيرة التي سأتمكن فيها من التحدّث معكم، آمل أن تكونوا قد استفدتم من الدرس، رأس المال الأجنبي والإمبريالية جنبا إلى جنب مهّدا الطريق كي تُحطِّم القوات المسلحة تقاليدها، التقاليد التي أرساها الجنرال شنايدر وأكدها القائد آرايا، ضحايا نفس الشريحة الاجتماعية التي تقبع الآن في منازلها آملة أنها، وبالمساعدات الأجنبية، تستعيد القدرة على مواصلة الدفاع عن مصالحها وامتيازاتها.
أتوجّه قبل الجميع إلى المرأة البسيطة في أرضنا، العمّال الذين خدمونا، للأم التي تعلم مدى اهتمامنا بأطفالها، للمهنيين في تشيلي، المهنيين الوطنيين، هؤلاء الذين استمروا في العمل في الأيام الماضية ضد الفتنة التي ترعاها الفئات الطبقية التي تدافع عن الامتيازات التي يضمنها المجتمع الرأسمالي للأقلية.
أتوجّه إلى الشباب الذين غنّوا وقدّموا لنا البهجة وروح النضال. أتوجّه للرجال في تشيلي، العمال، الفلاحين، المثقفين، الذين سيتم اضطهادهم، لأنّ الفاشية بدأت تحلّ في بلادنا في الساعات الأخيرة عبر قيامها بهجمات إرهابية، تدمير للجسور، قطع للسكك الحديدية، تدمير لأنابيب البترول والغاز، وسط صمت أولئك الذين يحمونهم.. التاريخ سيحكم عليهم.
بالتأكيد سيتم إسكات راديو ماجالانس، ولن يصلكم صوتي بعد الآن. لا يهم. فسوف تسمعونه دائما. سأظل دائما بينكم.. على الأقل ذكراي ستظل كرجل حافظ على كرامته وولاءه للعمّال.
الجماهير يجب أن تدافع عن أنفسها، لكن دون تضحية بحياتها. يجب ألّا يعطوا أحداً الفرصة أن يدمرهم وألّا يضعوا أنفسهم في مواجهة الرصاص، وكذلك يجب ألّا يسمحوا بإذلالهم.
عمّال بلادي، لدي إيمان بتشيلي وقدرها. وبقدرتها على تخطي تلك اللحظات المظلمة والمريرة التي تسودها الخيانة. تحرّكوا للأمام وأنتم واعون أنْ عاجلاً أو آجلاً ستنفتح آفاقٌ أرحب عندما يسعى رجالٌ أحرار لبناء مجتمع أفضل.
عاشت تشيلي،
عاش الشعب،
عاش العمال.
هذه كلماتي الأخيرة، وأنا على يقين أن تضحيتي لن تذهب هباءً، وأنّها على الأقل ستكون درسا أخلاقيا يعاقب جريمة الجبن والخيانة.
رئيس تشيلي، ١١ سبتمبر ١٩٧٣

هل قُتِل أليندي أم انتحر؟:
أما عن وفاته فقد اختلفت الروايات، حيث يقال إنه قُتل ويقال إنه انتحر، ولاحقا أكدت هيئة طبية تشيلية شرعية أن سبب وفاة الرئيس الراحل هو الانتحار، وكانت الرواية الرسمية حول مقتله تفيد بأنه أقدم على الانتحار بإطلاق النار على نفسه من مسدس كان قدمه الرئيس الكوبي السابق فيدل كاسترو هدية له كما قلنا، فيما كانت قوات الجنرال "أوغوستو بينوشيه" تُطبق على القصر الرئاسي خلال الانقلاب وتقصفه بالدبابات والطائرات غير أن عدداً من أنصار أليندي ظلوا يشكون في الرواية المتعلقة بانتحاره، وأنّه قتل أثناء الانقلاب الذي أدى إلى ظهور النظام الديكتاتوري في تشيلي بقيادة بينوشيه قائد الانقلاب.
وكان التلفزيون الوطني التشيلي قد عرض شريطا وثائقيا يعتمد على التقرير المذكور في الشهر الماضي.
وقال التلفزيون إنه عثر على نسخة من التقرير في ركام منزل دمره الزلزال الذي ضرب جنوبي تشيلي في فبراير / شباط الماضي. وكان المنزل ملك احد القضاة العسكريين.
وتضمن الشريط الوثائقي مقابلة اجراها التلفزيون مع لويس رافانال، وهو خبير في الطب الجنائي يعتقد ان سلاحين وليس سلاحا واحدا لعبا دورا في مقتل الرئيس الليندي.
وقال رافانال إن الليندي اصيب باطلاقتين، الاولى من سلاح ذي عيار صغير، والثانية من بندقية الكلاشنكوف اطلقت عندما كان ميتا او يحتضر.
وقد اثار هذا التصريح التكهنات بأن الرئيس اليندي ربما قُتل على ايدي احد الجنود او القناصة او حتى أحد مساعديه.
وقد أمر قاضي تحقيقات باستخراج رفات اليندي وتشريحها كجزء من تحقيق لمنظمة تعني بحقوق الإنسان، وتحديد ما إذا كان مات انتحاراً أم اغتيالاً، وجاء في التقرير أن "التحليل يؤكد أن سبب وفاة هو ما ورد سابقاً، وأن السبب هو الانتحار".
ويؤيّد بابلو نيرودا نفسه هذه الرواية، إذ كتب بعد مقتل اليندي بثلاثة أيام: "لقد تم اخفاء حقيقة اغتياله. كان يجب قتله لأنه ما كان ليستقيل من الرئاسة."

شُبهة في اغتيال الديكتاتور لـ "بابلو نيرودا":
ولسنوات وسنوات، قيل للتشيليين إن شاعرهم الكبير "بابلو نيرودا" قد توفي بعد ذلك بـ 12 يوما نتيجة عجز القلب المتأتي عن سرطان البروستات الذي كان يعاني منه. لكن الكثيرين يظنّون أنّه اغتيل أيضاً.
وفي حالة نيرودا، تعتمد الادلة على إفادة شاهد واحد، هو "مانويل ارايا" الذي كان مساعداً شخصيا للشاعر الكبير في آخر سنيّ عمره،. يقول "إرايا" إنه في الثالث والعشرين من سبتمبر، اتصل نيرودا بزوجته من المستشفى ليخبرها انه حقن بمادة غريبة اثناء نومه، ولكن زوجة نيرودا اعتبرت هذا القول هراءً .
ولكن من ناحية اخرى، على الذين يستخفّون بهذه الادعاءات ويعتبرونها نظريات مؤامرة لا أساس لها ان يتذكروا تاريخ تشيلي في السنوات الأخيرة.
ففي عام 2009، اتُهِم ستة اشخاص بقتل "ادواردو فراي" سلف الليندي في الرئاسة. فقد اُدخل فراي الى المستشفى عام 1981 اثناء ديكتاتورية بينوشيه لاجراء عملية جراحية روتينية، ولكنه لم يخرج حيّاً. وتعتقد أسرته أنّه سُمّم بغاز الخردل.
وفي ديسمبر / كانون الاول، نُبش رفات وزير داخلية الليندي "خوزيه توها" عندما تقرّر إعادة التحقيق في وفاته عام 1974، حيث كان الجيش قد قال إنه انتحر شنقاً في المستشفى بينما تُصِرّ أسرته على أنّه قُتل.

خطّة الشيطان الأمريكي الدمويّة تنطلق:
بعد مقتل الرئيس ألندي أعلن جنرالات الجونتا بقيادة الجنرال "أوغستو بينوشيه" استلامهم السلطة، وأصدروا قراراً بإلغاء الصحف، واستمر القتال لبضعة أيام في الأحياء العمالية والورش والمصانع بين الجيش من ناحية والعمال ورافضي الانقلاب العسكري من ناحية أخرى. قام العسكريون القتلة بجمع آلاف من المواطنين الشيليين المدنيين المعارضين في الملعب الرياضي الرئيسي (ناسيونال) في سانتياغو العاصمة، وبدأوا بتعذيبهم وقتلهم ورمي جثثهم في الشوارع (وهذه هي الطريقة الأمريكية المفضّلة وبمكن للسيّد القارىء مراجعة الحلقات السابقة) . وكان من بين من قاموا بتعذيبه ثم "فرم" يديه وقتله ورمي جثته خارج الملعب هو البطل الشعبي والمغني الشيلي الشهير "فيكتور خارا" الذي سيُسمّى الملعب باسمه بعد سقوط الطاغية بينوشيه .
دمّر الهجوم أعرق الديمقراطيات وأكثرها حيوية في أمريكا اللاتينية وهذا بـ "حرص" من الولايات المتحدة على الديمقراطية طبعاً، وأقام بدلا منها نظاما للتعذيب والاضطهاد كانت أداته الرئيسية جهاز الشرطة السرية (DINA) الذي كانت تشبّهه المخابرات المركزية بجهاز الكي جي بي السوفيتي والغستابو النازي . وفي غضون ذلك انبرت واشنطن تساند بحزم وقوة نظام حكم بينوشيه القائم على العنف والإرهاب . فبعد أن زُجّ بالآلاف في السجون، بدأت المساعدات الإقتصادية التي ألغيت سابقا بالتدفّق فورا (قامت الولايات المتحدة بتخفيض المعونات الاقتصادية من 80 مليون دولار عام 1969 إلى 3.8 مليون دولار عام 1973، فضلاً عن الضغوط التي مارستها على المؤسسات الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي لوقف أي قروض للحكومة التشيلية).
بلغ العدد الرسمي لضحايا 11 أيلول/ سبتمبر 1973، 3200 قتيل، أما العدد الفعلي فيُقدّر عادة بحوالي ضعف هذا الرقم . وبالتناسب مع عدد السكان يكون الرقم المناظر له في الولايات المتحدة ما بين 50000 و 100000 قتيل، وقد وجد تحقيق رسمي أجري بعد انقضاء ثلاثين عاما على الإنقلاب أدلة ثبوتية على حصول 38000 حالة تعذيب أي ما يناظر نحو 700000 حالة في الولايات المتحدة . وسرعان ما تحرّك بينوشيه لادماج ديكتاتوريات عسكرية أخرى مدعومة أميركيا في أمريكا اللاتينية ضمن برنامج عالمي لإرهاب الدولة يدعى "عملية كوندور" . فقد كان لدى حكومة بينوشيه الديكتاتورية برنامجان إرهابيان لقتل معارضيها هما: كوندور وكولومبو، وقد عاث البرنامجان قتلاً وتعذيبا دونما شفقة أو رحمة ضمن نطاق المنطقة وتشعب إلى عمليات إرهابية في أوروبا و الولايات المتحدة . فما هي عملية كوندور؟

ما هي عمليّة كوندور؟
عملية كوندور جرت تحت رعاية وكالة المخابرات المركزية الأميركية، وهي حملة من إرهاب الدولة تضمّنت عمليات استخبارية واغتيالات للمعارضين رسمياً في عام 1975 من خلال ديكتاتوريات الجناح اليميني في أمريكا الجنوبية . كان هدفها اجتثاث كل معارضة ضد هذه الحكومات . ويُقدر عدد ضحايا هذه العملية أكثر من 60000 ضحية . وقد ساهمت فيها حكومات الأرجنتين، تشيلي، أورغواي، بوليفيا، والبرازيل . وساهمت فيها حكومتا البيرو والإكوادور أيضاً بصورة غير مباشرة . وقد قدّمت الولايات المتحدة المساعدات العسكرية والتقنية للمشاركين حتى عام 1978 وخصوصا في ظل حكومة كارتر (كارتر المسيح الجديد المُدافع عن حقوق الإنسان وهو القاتل الشرس كما سنرى في حلقة مقبلة) .

وما هي عمليّة كولومبو؟:
اما العملية الثانية فتُعرف باسم عملية كولومبو التي نُفِّذت عام 1975 والتي قتل خلالها (119) معارضا تشيليا.
بدأ نظام بينوشيه بملاحقة خصومه السياسيين من المنتمين لتيار اليسار والمتعاطفين معهم عن طريق ما عُرف آنذاك بـ "قوافل الموت"، وهي عبارة عن عمليات عسكرية مُمنهجة لاستئصال المعارضة السياسية خلال الشهور الأولى من الحكم الديكتاتوري، والتي أدت إلى إعدام حوالي (75) من رموز المعارضة خلال شهر واحد فقط من الانقلاب.
كذلك أنشأ بينوشيه وحدة استخباراتية خاصة، عُرفت بالإدارة الوطنية للاستخبارات (DINA) كما قلنا، وعُهد إليها بعمل ملفات حاسوبية لكل المعارضين ونشر الرعب في البلاد من خلال القيام ببعض العمليات السرية المنظمة. وكشفت وثائق رُفِعت عنها السرّية من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في سبتمبر عام 2000 عن أن رئيس "دي أي إن أيه" "مانويل كونتريراس" في عام 1975 كان "قد استخدم من قبل أصول ماليّة لوكالة المخابرات المركزية". جهاز الـ "دي أي إن أيه" كان ضالعا في عملية كوندور، وكذلك عملية كولومبو.
في تموز / يوليو 1976، نشرت مجلتان في الأرجنتين والبرازيل أسماء 119 من المعارضين اليساريين الشيليين، وزعمتا أنهم قد قُتلوا في نزاعات داخلية ولا علاقة لنظام بينوشيه بمقتلهم. تلكما المجلتان سوف تختفيان بعد هذه القضية الوحيدة فقط. سأل القاضي "خوان جوزمان تابيا" في النهاية القضاة التشيليين لرفع الحصانة عن بينوشيه في هذه الحالة التي سُمّيت بـ " عملية كولومبو ". وبعد أن تراكمت الأدلة ظهر أن بينوشيه أمر "دي أي إن أيه" بزرع هذا التضليل، وذلك للتستر على" الاختفاء "والقتل من قبل الشرطة السرية التشيلية لهؤلاء الـ 119 معارضاً. في ايلول / سبتمبر 2005، قبلت المحكمة العليا في شيلي رفع الحصانة عن بينوشيه بشأن هذه القضية. القاضي فيكتور مونتيجليو، الذي تولى القضية بعد خوان جوزمان تابيا تقاعد قبل بضعة أشهر. وهذا القاضي، ويدعم من قوانين العفو العسكرية، كان قد منح العفو لمانويل كونتريراس، رئيس الجهاز، والذي كان قد حُكم بعقوبة السجن في عام 2004 في محاكمة عملية كولومبو.
عملت "دي أي إن أيه" مع وكلاء المافيا الدوليين، مثل مايكل تاونلي، واغتالت الوزير التشيلي السابق "اورلاندو ليتيليير" ومعاونه في واشنطن العاصمة في عام 1976، وكذلك الجنرال "كارلوس براتس" في بوينس آيرس، الأرجنتين، في عام 1974. ووفقا لوثيقة سرّية رُفعت عنها السرّية في عام 2000، ذكر مايكل تاونلي: "كانت هناك اجتماعات بينه وبين مانويل كونتريراس، والديكتاتور بينوشيه، والإيطاليين في إسبانيا بعد وفاة فرانكو. كما أنها نفذت العديد من عمليات التجسس العسكري في أوروبا وفي بيرو والأرجنتين ". وصف مايكل تاونلي العديد من الاجتماعات بين بينوشيه والجواسيس والارهابيين الإيطاليين فضلا عن لقاءات بينوشيه مع الكوبيين المناهضين لكاسترو .
عمل مايكل تاونلي مع "يوجينيو بيريوس" على إنتاج غاز السارين في عام 1970، كان في بيت تابع لـ "دي أي إن أيه" في حي لو كورو، سانتياجو دي شيلي. "يوجينيو بيريوس" هذا اغتيل في عام 1995، وكان أيضا مرتبطاً مع مهرّبي المخدرات وعناصر من وكالة مكافحة المخدرات الأميركية.
تصوّر عناصر من وكالات استخباريّة تصنّع اسلحة كيمياوية في البيوت !!!
هل يتم هذا دون علم الوايات المتحدة الأميركية؟!

ما الذي حقّقه بينوشيه؟:
بدأ أوغستو بينوشيه عهده العسكري بقتل الرئيس، وتعليق الدستور، وأعلن المجلس العسكري حاكما لتشيلي واستمر حاكماً سبعة عشر عاماً، كان فيها العدوّ الأول لكل مفكري وكتّاب أمريكا اللاتينية. وحرّم الأحزاب السياسية اليسارية التي شكلت تحالف ألليندي الحاكم، منع أي نشاط سياسي، ومارس الإرهاب السياسي. طارد اليساريين في كل أنحاء البلاد، ونتيجة لأفعال المجلس العسكري، قُتل أكثر من ثلاثة آلاف تشيلي أو اختفوا، كما عُذب وسُجن أكثر من سبعة وثلاثين ألفاً، ونُفي الكثيرون، أو هربوا طالبين اللجوء السياسي، ومنهم السياسية التشيلية "إيزابيل ألليندي – بوسي" ابنة سلفادور ألليندي، والروائية التشيلية الأعظم "إيزابيل ألليندي يونا" ابنة أخيه. وشهد عهده اغتيال الجنرال "عمر توريخوس" رجل بنما، والذي كان عائقاً في وجه الهيمنة الأمريكية الشاملة على القناة، وشكل مع نوريجا الحاكم البديل لبنما ورافاييل ليونداس تروخيليو حاكم الدومينيكان أسوأ وجوه الديكتاتورية التابعة لأمريكا في عالم شهد ديكتاتوريات عديدة، كسالازار في البرتغال، وفرانكو في إسبانيا، وتشاوشيسكو في رومانيا.

طريق بينوشيه: طريق "فتيان شيكاغو" إلى الإشتراكية:
تبنّى بينوشيه الطروحات الاقتصادية الرأسمالية، واقتصاد السوق المفتوح، وأعلن صراحة بأنه يطمح لـ: "جعل تشيلي أمة من رجال الأعمال، لا البروليتاريين"، ولتنفيذ سياسته اعتمد في رسم اقتصاده على "فتيان شيكاغو – Chicago boys" كما يُلقّب تكنوقراطيو تلك التجربة المدّعون من خريجي الجامعات الأمريكية، المتأثرون بسياسات "ميلتون فريدمان" (منظّر اقتصادي أميركي رأسمالي) الاقتصادية، ومن تلامذته في الدراسة الجامعية بجامعة شيكاغو الذين تولّوا بعد ذلك التخطيط وإدارة الملف الاقتصادي لتشيلي، بتكليف من الجنرال.
أطلق بينوشيه عصر إلغاء التنظيم، والخصخصة الاقتصادية، ولإنجاز أهدافه، ألغى الحد الأدنى من الأجور، أبطل حقوق اتحاد العمال، خصخص نظام الراتب التقاعدي، والصناعات الرسمية، والبنوك، وخفض الضرائب على الثروات والأرباح.
مؤيدو هذه السياسات (من بينهم ميلتون فريدمان نفسه) لقّبوه بـ "معجزة تشيلي"، بسبب 35% من الزيادة لحصة كل فرد في الناتج المحلي الإجمالي من 1960 إلى 1980.
ويعارض المعارضون مثل "نعوم تشومسكي" (المفكر العالمي الحر، والمشهور بتأملاته في الحالة الأمريكية المعاصرة، الذي وصل العداء بينه وبين سدنة الإمبراطورية الأمريكية إلى حد مُطالبة البعض بتجريده من جنسيته الأمريكية) هذه العناوين، مشيراً إلى أن معدل البطالة ارتفع من 4.3% في 1973 إلى 22% في عام 1983، بينما هبطت الأجور الحقيقية بنسبة 40%.
الخصخصة، تخفيض الإنتاج الوطني، وسياسات العمل الحرة، كلها أثر سلباً على طبقة تشيلي العاملة، لكنه حتماً أراح الطبقة الثرية وأطلق لها المجال لتثري دون حد.
تُعبر إيزابيل ألليندي عن هذه الحالة في رواية بيت الأرواح على لسان الحفيدة بالقول: " "لم يكن جدي قادراً على متابعة ثرواته، كان يكفي أن يتركها في البنوك لتتضاعف وحدها".
فالمجلس العسكري برئاسة الجنرال أوغستو بينوشيه أمر برفع سعر الخبز من 11 إلى 40 إسكودو، بزيادة كبيرة جدا وفي زمن قياسي، وصلت إلى 264٪. هذا "العلاج بالصدمة الاقتصادية" قد تم تصميمه من قبل مجموعة "شيكاغو بويز" كما قلنا . ففي الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار المواد الغذائية بنسب خيالية، تم تجميد الأجور لضمان "الاستقرار الاقتصادي ودرء الضغوط التضخمية". فبين عشية وضحاها دخلت شيلي في براثن الفقر. في أقل من سنة ارتفع سعر الخبز في شيلي ستة وثلاثين مرة 3700٪. كما أنه بفضل الانقلاب العسكري الأمريكي أصبح 85% من الشيليين يعيشون تحت خط الفقر باسم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.
في عهد بينوشيه سيطرت الشركات المتعددة الجنسيات على الاقتصاد . بيع القطاع العام إلى الخاص والشركات المربحة إلى هذه الشركات . قدمت الدولة 600 مليون دولار لدعم المستثمرين خلال خصخصة المشاريع الحكومية خصوصا المُدارة جيداً والناجحة والتي تُقدم فائضا، وخفض هذا الناتج الحكومي بمقدار 100 – 165 مليون دولار . خلال 1980 لم يصل الناتج المحلي الخام للفرد إلى ما كان عام 1970 (وقت أليندي) . هبطت الرعاية الصحية للنصف في فترة 1973 – 1985 . فانفجرت أمراض الحُمّى التيفية والتهاب الكبد الفيروسي . ومنذ 1973 انخفض استهلاك الـ 20% الأكثر فقرا في تشيلي بمقدار 30% وازداد استهلاك الـ 20% الأكثر غنى بمقدار 15% . تُقدم المشافي الخاصة خدماتها للأغنياء، وتعطي المشافي العامة مواعيد للأمّهات الحوامل تصل شهورا طويلة وتصف لهن أدوية لا يستطعن شراءها . أما التعليم الذي كان مجانيا أيام اليندي فقد أصبح مُكلفاً . وتُعتبر سانتياغو العاصمة أكثر المدن تلوّثا في العالم، وذلك حسب الشعار القائل "إنتج، إنتج، إنتج" وليكن ما يكون، حيث أقذر المصانع في العالم . لقد تلوثت مياه الشرب ودُمّرت البيئة، وتم "جعل الإقتصاد يبكي" كما صرّح بذلك الأميركيون . وازدادت نسبة السكان الذين تراجعوا إلى ما دون خط الفقر (أي الدخل الأدنى الضروري لأساسيات الطعام والسكن) من 20% إلى 44% منذ عام 1987 .

دور الطغاة العسكريين يُسلّم للتكنوقراط بإشراف البنك الدولي !:
بفضل الطغاة العسكريين، أصبح اقتصاد امريكا اللاتينية ذا اتجاه واحد، تحيط به تبعية سياسية بسبب قوة الضغط السياسي على السلطات، الذي يتمثل أحيانا كثيرة برفض الاقراض، أو العزوف عن الاستثمار بتوجيه من النك الدولي وإحصائياته .
وتابعت الولايات المتحدة، بعد ذلك هدفها في تحقيق حرّية السوق، بوسائل أخرى، غير استخدام الطغاة العسكريين . لقد أصبح مقبولا، وصول حكام منتخبين إلى السلطة، مع استبدال الارهاب الحكومي بالفساد . وهكذا شهدنا ارتقاء قادة منتخبين كراسي الحكم مثل كولور في البرازيل، ومنعم في الارجنتين . وبعد استبدال الجنرالات الخونة، طُلِب إلى الحكام الجدد من التكنوقراط مهمة واحدة هي أن يقوموا بتسديد القروض وفوائدها التي عقدها الطغاة العسكريون ونسيان جرائمهم .

بينوشيه يحقّق الخراب الشامل:
منذ قيام الانقلاب العسكري التشيلي المدعوم من الأقلية المحلية ووكالة المخابرات المركزية C.I.A في 11 أيلول 1973 ضد الرئيس الليندي تم تدمير مجالس النقابات. واستبدل تدريجياً القطاع الصناعي الذي لم يكن مُوجّهاً نحو التصدير أي لم يكن جزءاً من نظام حصص البنك الدولي للعمل بصناعات معتمدة من قبل صندوق النقد الدولي حسب متطلبات واشنطن. أدّت الدولة الديكتاتورية إذاً مهمتها فضمنت عن طريق التواجد البوليسي حرية العمل وامتيازات الأغنياء في حين أن القرارات السياسية المُفرغة من بعدها الاجتماعي كانت تُتخذ خارج البلاد. كان على البلاد أن تواجه عملياً مشكلة انسجام اجتماعي هش. وبالنظر لمعدل وجود المشاريع المتدني بعد بوليفيا (15%) فإن أكثر من 30% من الشعب يعيش تحت عتبة الفقر حتى لو كان عدد الفقراء في خمس سنوات تراجع من 5 ملايين إلى 4 ملايين. ولم يترافق نجاح النخبة الاقتصادية أبداً مع توزيع عادل للأرباح. وقد تمت التضحية بقطاعات الخدمات العامة التي تشكّل الهدف المفضل لصندوق النقد الدولي لصالح زيادة العائدات. لهذا السبب لم يعد القطاع الصحّي يكلّف أكثر من 1.2% من الناتج المحلي الصافي في الوقت الذي كان يتمتع بـ 3.2% منه أيام الليندي، وكانت تُحسم النسبة 1.2% من المشتركين في الضمان. رغم تبديل نظام الضمان الاجتماعي الذي أُسِّس عام 1952 بنظام آخر عام 1981 وأصبح يعتمد على الاشتراكات الفردية الخاصة، لذا كان هناك نظام طبي له اتجاهان. ففي حين أن 23.7% من الشعب كانوا يتمتعون بالخدمات الطبية الخاصة (كانوا يعتبرون إذاً زبائن لا مرضى) ويتصرّفون بـ 230 دولار سنوياً من العلاج للفرد، كان هناك 63.4% يكتفون بالقطاع الصحي العام الذي لا يُنفق أكثر من 130 دولار، فكانت له خدمات طبية بالحدود الدنيا ومتواضعة. في عام 1996 حدثت مجابهات في داخل اليمين بسبب قضايا مؤسساتية وضعت الرئيس "إدوارد فري Eduardo Frei" في موقع صعب. فإن كانت النتائج الاقتصادية تدعو للتفاؤل كـ "أرقام" إلّا أن عدم المساواة لم تنخفض نسبته مع سوء للتوزيع لم يسبق له مثيل. ولم تشكل البرامج التي وضعتها الحكومة لمكافحة الفقر المدقع إلّا علاجاً آنياً.
أما رقم الديون في التشيلي أثناء حكم بينوشيه فكان ١٥٠٠ دولار لكل مواطن . ولكن بينوشيه يحتفظ بسجل آخر أيضاً، فقد حقق اوسع وأشمل حرية لاقتصاد السوق بما فيها سوق العملات، من خلال نظام خصخصة مهيأ بذلك شروطا مثالية شاملة للشركات متعددة الجنسيات لتتسلط على اقتصاد البلاد . واستطاع أن يحقق ذلك بضمانة "الديمقراطية الأمريكية " العظيمة . واستطاعت سيطرة صندوق النقد الدولي أن تتجذّر بدون مخاطر في هذه البلاد التي قيّدتها الديون، وأصبح اقتصادها في أيدي مؤسسات أجنبية . ويستطيع صندوق النقد الدولي أن يفرض دون عواقب نظام "تنمية أكثر ملائمة للمتروبول العالمي "، ليس على العالم الثالث فقط، بل على العالم كله: ويتمثل هذا التوجه بتنمية زراعات أحادية، ومنتجات أحادية، والتراجع عن الزراعات الحيوية والحرف الوطنية التي تؤمّن للمواطنين قوت يومهم، وتتحقق بذاك التبعية، والاستغلال المتزايد لليد العاملة، وتفاقم الديون، بسبب تضخم الاستيراد . والنتيجة الإجمالية، نتيجة قاطعة: فمنذ بداية الثمانينات، انخفض دخل الفرد في أمريكا اللاتينية ١٥ % وفي أفريقيا ٢٠% ويحمل نظام الهيمنة هذا اسما شائعا هو "خطة التصحيح البنيوي " وبموجبها لا تُمنح القروض والمساعدات إلا في ظل شروط سياسية قاسية . وعندما تُطبّق برامج صندوق النقد الدولي بحرفيتها في بلد ما، تتمتع حكومته حينئذ بالمعاملة المتميزة من جانب الولايات المتحدة واتباعها الأوروبيين. وهذا ما حقّقته الولايات المتحدة لشعب شيلي من "معجزات".
والمشكلة أن كل هذا الأرث الثقيل سوف يكسر ظهر الشعب الشيلي بعد رحيل الديكتاتورية، ولكن في ظل خطط "عقلانية" جديدة يضعها التكنوقراطيون.

الديكتاتور بينوشيه حبيب حماة الديمقراطية: ريغان وتاتشر:
وخلال كل هذه الجرائم البشعة وإلى زمن طويل بعدها، كان بينوشيه محل تشريف كبير من جانب رونالد ريغان ومارغريت تاتشر على وجه الخصوص، إنما على نطاق أوسع من ذلك بكثير . كانا يستقبلانه في مقرّاتهما الرئاسية بكل حفاوة واحترام ويشيدان به وبجهوده الديمقراطية . غير أن اغتيال الدبلوماسي التشيلي المحترم "أورلاندو لتولييه" قائد المعارضة التشيلية في قلب واشنطن العاصمة عام 1976 كان يتعدى الحد المسموح به فكان أن عُلّقت "عملية كوندور" . لكن السمّ استمر بالإنتشار . ولسوف تقع اشنع الفظائع بعدُ في الأرجنتين، هذا إلى جانب امتداد إرهاب الدولة إلى أميركا الوسطى على أيدي المسؤولين يومها في واشنطن ومرشديهم المباشرين .

بينوشيه مكروه المثقفين:
ومنذ بدايته، كسب بينوشيه عداء كُتاب أمريكا اللاتينية الأشهر، كالحائز على نوبل الكولومبي "غابرييل غارسيا ماركيز" الذي كتب كتاباً عن نظامه أسماه (مهمة سرّية في تشيلي)، واستلهم سيرته في روايته الشهيرة (خريف البطريرك). وكذلك الروائية التشيلية الأعظم "إيزابيل ألليندي" التي استعادت انقلابه العسكري في روايتها (بيت الأرواح) وكتبت عن فظائع نظامه، بالإضافة إلى البيروفي "ماريو بارغاس ليوسا"، وحتى الكاتب الإنجليزي الشهير "غراهام غرين" الذي كان من أكبر مُعاديه، وبإيجاز، كان بينوشيه ونظامه العدو الأكبر للصف الأول من المثقفين والأدباء العالميين. ولم يفعل هو ما من شأنه تخفيف هذا العداء بل إنه أمعن في تحويل تشيلي إلى سجن كبير.

ديكتاتور .. حتى الموت:
على الصعيد الدستوري قام بينوشيه بإجراء عدد من التعديلات على دستور 1925 (كان هذا الدستور إحدى العقبات الهامة أمام التحولات البنيوية في السنوات الثلاث التي أمضاها سلفادور أليندي في الحكم)، وبالفعل صدر الدستور الجديد في عام 1980، وبالرغم من أنه تضمّن العودة إلى المسار الديمقراطي، إلا أنه ضمن فترة رئاسية جديدة (ثماني سنوات مقابل ست سنوات في دستور 1925) لبينوشيه، يعقبها استفتاء على ولايته لفترة أخرى، أو في حال فشله (وهو ما حدث) تجرى انتخابات رئاسية تنافسية للرئاسة والبرلمان معًا عام 1989، وتنصيب الإدارة الجديدة للبلاد عام 1990. كذلك تضمّن هذا الدستور تحصين بينوشيه ضد التقاضي، وذلك بالنص على "تنصيب الرئيس كسيناتور بالكونجرس التشيلي مدى الحياة بعد انقضاء ولايته الرئاسية"، إلا أن التعديلات الدستورية التي أجريت عام 1990 ألغت هذه المادة.
لكن البلاد التي كانت تمور بالكراهية لنظام بينوشيه، والضغوط الدولية المتزايدة، أعادت القاعدة المدنية إلى البلاد، منذ العام 1988، حين رفض الكونجرس إقرار دستور يتيح لبينوشيه حكم البلاد طوال حياته، وفضل بينوشيه الذي كان لا يزال محتفظاً بنفوذه الكبير سياسياً وعسكرياً أن يتنازل عن رئاسة البلاد لـ "باتريشيو أيلوين" الرئيس المنتخب ديموقراطياً عام 1989، وذلك في العام 1990، لكنه حافظ على منصبه كقائد للجيش حتى 1998، حين أخذ مقعداً في مجلس الشيوخ طبقاً لتعديلات دستورية أقرّت في 1980 وبموجبها يتمتع الرئيس السابق بحصانة دائمة حين يتحوّل إلى عضويّة مجلس الشيوخ آليّاً .

قريباً من النهاية .. نبوءة ألليندي تتحقّق:
في مايو 1983 بدأت المعارضة والحركات العمالية بتنظيم الإضرابات والعصيانات المدنية، وأثارت هذه الحركات ردود فعل عنيفة من قبل مسؤولي تشيلي الحكوميين. في 1986 اكتشفت قوات الأمن مخزناً للأسلحة التي هُرّبت إلى البلاد بواسطة جبهة مانويل رودريغز الوطنية (FPMR)، الجناح العسكري للحزب الشيوعي المحظور.
في سبتمبر من العام ذاته، استُخدم بعض من هذه الأسلحة في محاولة فاشلة لاغتيال الديكتاتور بينوشيه قامت بها جبهة مانويل رودريغز الوطنية. وعلى الرغم من نجاة بينوشيه بجروح طفيفة، إلّا أن خمسة من حراسه الشخصيين العسكريين قُتلوا في المحاولة. قبل ذلك بأيام كان الديكتاتور قد توعّد معارضيه بتصريح قال فيه: "نبقي عيوننا مفتوحة على بعض السادة." وتلت محاولة الاغتيال الفاشلة اغتيالات لمعارضي الديكتاتور.
أدّى قطع رؤوس الشيوعيين الثلاثة: خوسيه مانويل بارادا، مانويل غويريرو، وسانتياغو ناتيني من قبل الشرطة العسكرية (الكارابينيروس) إلى استقالة الجنرال ميندوزا من الزمرة في 1985. و طبقاً لدستور 1980 الانتقالي، والذي صوت له 75% من الناخبين، نُظم استفتاء غير اعتيادي، وغير ديموقراطي لصالح بينوشيه كمرشح أوحد، غير أن المحكمة العُليا حكمت ببطلانه، ونظّمت عملية الانتخاب والتصويت، وحدّدت أوقات الإعلانات التلفزيونية، المجانية والمشروطة بوقت وقواعد معينة. كنتيجة لقرار المحكمة نشرت المعارضة بقيادة ريكاردو لاغوس إعلانات مستبشرة وزاهية تحرّض الناس على رفض بينوشيه، ووجد بينوشيه نفسه مُطالباً بالإجابة عن أسئلة تتعلق بالذين اختفوا، وقُتلوا، أو عُذبوا. في الاستفتاء العام، ربح محامو (لا) التصويت بنسبة 55% مقابل 42% قالوا (تعم)، وبناء على نتائج الاستفتاء كان على بينوشيه أن يرحل عن السلطة، وحكمت المحكمة العليا بانتخابات الكونجرس في العام التالي، وتلتها الانتخابات الرئاسية العامة التي فازت بها الطبيبة "باتريشيو آيلوين"، وفي الحادي عشر من مارس 1990 ترك بينوشيه رئاسة الدولة.

إبنة الضحيّة تهزم الجلّاد:
لقد خاضت الانتخابات التي أطاحت ببينوشيه سيّدتان: الأولى هي "إيفلين ماتيل" ابنة الجنرال فرناندو ماتيل، الذي اشترك في انقلاب بينوشيه، وعمل معه طوال مدة حكمه، والثانية المتقدمة على الأولى هي الطبيبة "ميشيل باتشيلي"، ابنة الجنرال ألبرتو باتشيلي، الذي رفض الانقلاب على الليندي، فاعتقله الطغاة وأودع السجن في 11 أيلول / سبتمبر عام 1973، وعذّبه نظام بينوشيه في السجن حتى الموت. واعتقلت ميشيل باتشيلي ووالدتها وعُذّبتا، وأبعدتا، فهربتا إلى استراليا، ثم إلى ألمانيا الديمقراطية آنذاك، وظلّت ميشيل منفيّة في الأرجنتين 16 عاماً .
وفي ذكرى الانقلاب قالت باتشيلي وسط دموعها: إن الجروح لم تندمل بعد. وقرظت «أولئك اليمينيين» الذين لم يعتذروا بعد ولم يعترفوا بمسئوليتهم عما جرى في عهد بينوشيه. ومن بين تلك الجروح بالطبع، جرح غائر سبّبته أمريكا.

النهاية السوداء، الديكتاتور في قفص الإتهام:
في عام 2002، سافر رجل تشيلي القوي، الحاكم الديكتاتور العجوز الذي بقي يتمتع بنفوذ هائل على الحياة السياسية في تشيلي إلى بريطانيا لإجراء فحوص طبية، وبينما كان هناك، أعتقل بتفويض قضائي أصدره القاضي الإسباني "بالتاسار جارسون"، وبقي قيد الإقامة الجبرية لأكثر من سنة، قبل أن يتم إطلاق سراحة لأسباب طبية، عاد إلى تشيلي، وترك مقعده كسيناتور، بعد قرار من المحكمة العليا بأنه يعاني من ((خَرَف وعائي)) لا يمكن معه أن يُحاكم لأفعاله، ثم في آيار من عام 2004 حكمت محكمة تشيلي العُليا بناء على تصرفاته بإنّه قادرٌ على الصمود في محاكمة، وبدأت محاكمته في كانون الأول من العام نفسه لتهم تتعلق بحقوق الإنسان.
لقد سقطت حصانته باعتقاله في لندن. وتسبّبت في بدء محاكمته والتنقيب في حساباته في الخارج حيث اكتشفت حساباته في الولايات المتحدة بملايين الدولارات من أموال شعب تشيلي.

كيسنجر يدعو لاجتثاث الشعب لصالح الديمقراطية:
وعندما نَقَل السفير الأمريكي صورةً عن التعذيب الذي يجري هناك إلى كيسنجر صار الأخير عصبيّاً ووبّخه قائلا:
"لا تُلقي عليّ محاضرات من هذا النوع بعد الآن، فلا يهمنا التعذيب".
ما كان يشغله هو منع انتقال العدوى إلى أماكن أخرى منها جنوب أوروبا حيث الأحزاب الإشتراكية الأوروبية . وقال كيسنجر:
"يجب علينا التأكد من مقدرتنا على الفصل بين نظام الإدارة والسياسة . فإذا كان الناس لا يحسّون بالمسؤولية، يجب، عندها، اجتثاثهم من النظام" .
وهذا يتفق تماماً مع قول كيسنجر السابق عن عدم شعور الشعب الشيلي بالمسؤولية !!

الشيطان الأميركي يعترف، ولا يعتذر ولا يحاسبه أحد كالعادة:
بعد ان تولّى الجنرال "بينوشيه" السلطة في شيلى أخبر وزير الخارجية الأمريكية هنرى كيسينجر – وهو السفّاح القاتل وأوقح وأشرس كذّاب في السياسة الدوليّة كما سنرى مستقبلاً الرئيس الامريكى بأنّ الولايات المتحدة لم "تفعلها"، ولكنها ساعدت بتهيئة الظروف للقيام بالانقلاب. مؤخّرا في فترة تولى بيل كلينتون للرئاسة الأمريكية تمّ رفع السرّية عن بعض الوثائق التي أكّدت سعي الولايات المتحدة للإنقلاب على سيلفادور أليندى في عام 1970 قبل توليه السلطة.
خلال فترة حكم بيل كلينتون التالية قامت المخابرات الأمريكية باصدار وثيقة تعترف فيها بلعبها دورا في الحياة السياسية الشيلية مباشرة قبل الانقلاب العسكرى في شيلى، وأن الولايات المتحدة لم تكن متورطة بشكل مباشر في عملية الانقلاب والتي كانت على علم به قبل يومين من الانقلاب.
كما أصدرت الولايات المتحدة مؤخرا وثيقة تعترف فيها بقيامها بلعب دور بصورة غير مباشرة في تمويل الإضراب الذي قام به سائقو الشاحنات والذي تفاقم ليخلق وضعا اقتصاديا فوضويا مباشرة قبل القيام بالانقلاب العسكرى.
وقد ثبت تمويل المخابرات الأمريكية لقتل الجنرال التشيلي "رينيه شنايدر"، الذي رفض تدخل الجيش لمنع الكونجرس التشيلي من تنصيب الليندي رئيسًا عام 1970، فضلاً عن مكافأتها للقتلة بأموال ضخمة بعد تنفيذ المهمة، وهو الدور الذي اعترفت به المخابرات الأمريكية رسميًّا، بعد افتضاح أمرها.
وبفضل الصحفي الأمريكي "بيتر كورنبلو" أُجبرت الحكومة الأمريكية على الإفراج عن (23000) وثيقة أخرى، كشفت الدور الذي لعبه البيت الأبيض والمخابرات الأمريكية في الانقلاب، حيث كشفت عن دور المخابرات في دعم نظام بينوشيه وتمويله سرًّا منذ اللحظة الأولى.
وكان موقف إدارة نيكسون من المذابح التي كان يرتكبها نظام بينوشيه، لا يزيد عن كلمات علنية جوفاء إذا ما اضطرت إلى ذلك، ثم مطالبته سرًّا "بالحذر لئلا تؤدي قضايا صغيرة بجعل تعاوننا أكثر صعوبة".
ومن أبرز ما كشفت عنه هذه الوثائق التمويلات الضخمة التي قدمتها الإدارة الأمريكية لإدواردو فيري، المرشح المنافس لأليندي، والتي بلغت 20 مليون دولار، وقيام الاستخبارات الأمريكية بعمليات تشويه دعائية ضد أليندي وتحالف الجبهة الشعبية أثناء السباق الرئاسي.

ولا رئيس أميركي اعتذر:
والحقيقة هي أنه ولا رئيس أمريكي واحد اعتذر عمّا قامت به بلاده من التدخل في شؤون الغير والإطاحة برئيس دولة مُنتخب ديمقراطيا. الحكومة الأمريكية ووسائل الإعلام تستخدم معايير مختلفة لقياس المعاناة. هذا هو بالضبط النفاق وهذه هي المعايير المزدوجة التي تجعل بقية دول العالم تدين وتستنكر سلوك الولايات المتحدة في أجزاء مختلفة من العالم. فحتى وسائل الإعلام مع الأسف الشديد تركز على أشياء وتهمل أشياء أخرى أكثر أهمية. فأجندة الأخبار الدولية تحدّدها إمبراطوريات إعلامية مرتبطة ارتباطا شديدا بالقوى العظمى ومصالحها السياسية والاقتصادية، بل هذه الإمبراطوريات الإعلامية أصبحت جزءا لا يتجزأ من الشركات المتعددة الجنسية وإمبراطوريات المال والأعمال والسياسة. فمن يُصدّق مثلاً أن شركة "جنرال الكتريك" هي التي تمتلك أشهر قناة أمريكية وعالمية هي الـ CNN !! (ستكون لنا وقفة مقبلة عند هذا الموضوع).

مدرسة الأميركيتين للإرهاب من جديد:
في أغلب الحلقات السابقة المتعلقة بالنشاط الإرهابي للولايات المتحدة الأميركية في أمريكا الجنوبية، تتكشّف لنا حقائق جديدة عن "مدرسة الأميركيتين" للتدريب العسكري التي كانت في بنما وطردها عمر توريخوس إلى الولايات المتحدة لتستقر في جيورجيا بعد أن بدأت الناس تسمّيها بمدرسة الإرهاب والإنقلابات (راجع الحلقات الخاصة ببنما وغواتيمالا وفنزويلا) .
فقد قيل الكثير عن معسكرات تدريب القاعدة في أفغانستان، وهي الأهداف التي قصفتها الطائرات الأميركية. لكن هذه المعسكرات رياض أطفال إذا ما قورنت بجامعة الإرهاب الرائدة عالمياً في فورت بيننغ بجورجيا كانت تعرف حتى عهد قريب باسم كلية الأميركيتين، وقد دربت نحو 60000 جندي وشرطي وشبه عسكري وعميل استخبارات من أميركا الجنوبية. وتخرج منها 40 بالمئة من الوزراء الذين عملوا في أنظمة الإبادة الجماعية لـ” لوكاس غارسيا وريوس مونت ومنحيا فيكتوريس في غواتيمالا”.
في سنة 1993 سمّت لجنة التحقيقات التابعة للأمم المتحدة في السلفادور الضباط الذين ارتكبوا أسوأ الفظاعات في الحرب الأهلية، وتبيّن أن ثلثيهم تدربوا في فورت بيننغ. ومنهم روبرتو دي أوبويسون، قائد فرق الموت وقتلة رئيس الأساقفة أوسكار روميرو ومجموعة من القساوسة اليسوعيين (راجع حلقة: صَلْب السلفادور) . وفي تشيلي، أدار خريجو الكلية شرطة بينوشيه السرية وثلاثة معسكرات اعتقال رئيسية. وفي سنة 1996، أجبرت الحكومة الأميركية على الإفراج عن نسخ من أدلة التدريب في الكلية. وكانت هذه توصي الإرهابيين الطامحين بالابتزاز والتعذيب والقتل واعتقال أقارب الشهود.
أعيدت تسمية الكلية لتصبح معهد نصف الكرة الغربي للتعاون الأمني، ويغفل موقع الكلية على الويب صفحات "التاريخ" .

كم 11 أيلول مُدمّر سبّبه الشيطان الأمريكي للشعوب؟:
نستنتج الآن أن هناك إثنين 11 أيلول: واحد في شيلي قُتل فيه رئيس مُنتخب وذُبحت فيه آمال شعب، وآخر في الولايات المتحدة ضُرب فيهمركز التجارة العالمي في نيويورك، وقد قلنا مراراً قبل سنوات، وكرّرنا أن الولايات المتحدة نفسها تقف وراء تفجير مركز تجارتها . والآن تتردّد أنباء عن أن الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" لديه معلومات مؤكّدة عن أن الإدارة الأميركية هي المسؤولة عن تفجير مركز التجارة العالمي. أنّ هذا الـ 11 أيلول الذي ضرب أمريكا وحشّدت الولايات المتحدة من أجله الجيوش وماكنة الدعاية الهائلة وأجبرت العالم كلّه على أن يبكي من أجل ضحاياها لم تجعل العالم يسمع ولو كلمة أويذرف دمعة عن سلسلة جرائمها الوحشية المدمّرة التي مزّقت بها الشعوب وقتلت أضعاف قتلى مركز التجارة، وكلّها حصلت في يوم 11 أيلول .
تقول "آمي جودمان" مؤلفة كتاب: "شوكة في حلق المتحكّمين":
(من المفارقات الغريبة ان احد الموضوعات التي كنا نتناولها حين كانت الطائرات تضرب مركز التجارة العالمي، هو العلاقة بين 11 سبتمبر والارهاب.. أعني 11 سبتمبر 1973 فهذا اليوم هو اليوم الذي قتل فيه سلفادور الليندي، الزعيم التشيلي المنتخب ديمقراطيا في قصره الرئاسي في سنتياجو حين استولى الجنرال أوجستو بينوشيه والجيش التشيلي على السلطة، وكانت قوات بينوشيه مدعومة من قبل ريتشارد نيكسون، الرئيس الأمريكي يومئذ، ووزير خارجيته هنري كيسنجر، كما كانت تتلقى الدعم المالي من شركتين متعددتي الجنسية تعملان في تشيلي هما "اناكوندا كوبر" و"آي تي تي" اللتان كانتا كلتاهما على صلة وثيقة بالإدارة الأمريكية الجمهورية).
وهذه سلسلة مآسي سبّبتها الولايات المتحدة في 11 أيلول ولم يلتفت إليها أحد تقدّمها المؤلّفة أيمي جودمان:
- 11 سبتمبر/ أيلول 1973 في التشيلي، حيث قُتل الرئيس سلفادور الليندي المنتخب ديمقراطياً خلال انقلاب عسكري عليه، مدعوم من المخابرات المركزية الأمريكية راح ضحيته 3 آلاف مواطن وتعرّض للتعذيب والإحتفاء أكثر من 30000 مواطن .
- 11 سبتمبر/ أيلول 1977 في جنوب افريقيا، حيث نُقل الزعيم المناوئ للتمييز العنصري "ستيفن بيكو"، مطروحاً على أرضية عربة للشرطة، فاقداً الوعي، مسافة ألف كيلومتر، الى بريتوريا، حيث أسلم الروح في اليوم التالي.
- 11 سبتمبر/ أيلول 1990 في جواتيمالا، حيث قُتلت عالمة الاجتماع الجواتيمالية "ميرنا ماك" على أيدي الجيش المدعوم من قبل الولايات المتحدة.
- 1113 سبتمبر/ أيلول 1971 في نيويورك، حيث حدثت انتفاضة في سجن اتيكا، التي قتلت فيها شرطة خيالة ولاية نيويورك 39 رجلاً، وجرحت 88 رجلاً آخر.
فهناك إذن اثنان 11 سبتمبر/ أيلول: الأول اعتدت أمريكا من خلاله على سيادة دولة مستقلة (11 سبتمبر 1973)، والثاني تم من خلاله الاعتداء على أمريكا (11سبتمبر 2001)، لكن للإعلام وصانعي الرأي العام رأياً آخر حيث إن سبتمبر الأمريكي يحظى بالإعلام والعلنية والحضور، وسبتمبر شيلي تناساه الزمن، وهناك القلة القليلة التي تعرف الحقيقة عنه.

تقريض رومانسي:
(لم يدخل الرئيس الشيلي سلفادور ألندي إلى التاريخ بسبب موته، بل جراء حياته. موته، وطّد الأسطورة. ونتيجة لحِسِّه السياسي وواقعيته التاريخية، استطاع أن يحقق رمزيا "رؤية مختلفة" في تبنّي الاشتراكية، إبان عهد بدأت تتضح معالم أزمة الاشتراكيات الواقعية.
مع هذا الموقف المعاكس، وللحفاظ على بقائه تحت وابل القصف، ورفضه الانهزام بدون مقاومة، حاول أليندي البحث عن أفضل مَخرَج سياسي. استبعد النفي، وهيّأ الجواب الأكثر ملاءمة، المُعبِر بشكلٍ جيّد عن مُثلِه العليا، ويُلزِم بالعواقب الأكثر شؤماً، من تسبّب في مأساة الشيلي. لقد أقدم على الإنتحار، فلوّث الجنرال بدمٍ سيبقى إلى الأبد جرحاً لن يندمل.
لحظة انتصار الجنرال، بدأ يطوي الخطوات نحو زاوية، انتهى بين أركانها إلى مجرد جندي بدون شرف، تملّص من واجباته، وأصبح يعيش اعتماداً على حِيَل أوجد لها كساءً شرعيا. هل حقّق شيئا؟ طبعا عمل على تسوية المجتمع الشيلي، لكنه لن يلامس أبدا قاعدة تمثال البطل .
لكن، لماذا تصرف بينوشيه، هكذا؟ لقد كان شرِهاً اتجاه سلطة لم يفوضها لها "الأب"، الذي عيّنه قائدا. هذا الاندفاع اللاواعي غير القابل للتحديد، قاده إلى ارتكاب خطأ: الخوف أكثر من أليندي حيا، قياسا لأليندي وهو ميت. هذا القتل الرمزي للأب، حقيقة جعل منها أليندي مصيراً. لكن، أليندي لم يمت، بل اختار موته الذاتي.
كما هو الحال في مسرحية جان بول سارتر، فقد أحدق الذباب بالجنرال بينوشيه، لذا سيتنكر له فيما بعد أتباعه وأنصاره. رفض ضباطه علانية انتهاكاته لحقوق الإنسان، وعليهم القيام بذلك من أجل تبرير شرعية ما للنظام. لقد أرادوا منّا، نسيان بأن هذا نتاج قوة ميكيافيلية لسلطة دون قيود، وكذا الرعب الذي ساد مع بينوشيه .
خسر أليندي أولى معارك الاشتراكية الجديدة، لكنه ليس وهما للاستهلاك، بل سيستمر رمز نضال يستعاد لاشتراكية الغد) .

سلسلة المقالات

موسوعة جرائم الولايات المتحدة الأمريكية

استبيان

آلية التعامل مع فيروس كورونا المقرة من وزارة الصحة هل هي مناسبة؟

الاجابة بـ نعم 86 %

الاجابة بـ لا 86 %

:: المزيد ::

انفوجرافيك

جديد المكتبة الصوتية

أناشيد الذكرى السنوية الشهيد

كاريكاتير

{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (المائدة:55)

((أيها الناس إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله)). "الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم"

ولاية الله ورسوله والإمام علي بن أبي طالب هي فعلاً عندما تملأ القلب ستملأه إيماناً واعياً، ستحصن القلب من أن ينفذ إليه أي ذرة من ولاء لليهود والنصارى. #الشهيد_القائد

عظم الله لنا ولكم الأجر، في ذكرى رحيل العالم الكبير، #رباني_آل_محمد، حليف القرآن الكريم، وقرين التقوى، المجاهد الصابر السيد بدرالدين بن أمير الدين بن الحسين بن محمد الحوثي (رضوان الله عليه)

من أبرز مظاهر النعمة الإلهية، ومن أهم ثمرات مبدأ الولاية الإلهية، ومن أهم تجليات ونتائج الالتزام بالمنهج الإلهي: أن تكون هذه الأمة قوية ومنتصرة، وأن تغلب أعداءها. #السيد_القائد