(وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ) 2020-07-25
(وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ)

كنت في موضوع سابق حمل قوله تعالى ('أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) عنواناً له ؛ وقد تحدثت عن الأثر السلبي للإكتفاء بالقانون في معالجة النزاعات والخصومات في القضايا التي تنظر أمام المحاكم حين يلجأ الأطراف إلى القضاء للفصل فيما اختلفوا فيه ، وذكرت أن الإنسان مهما حاول وبالغ في الجهد فلن يصل إلى ما يرجوه إلا بالرجوع إلى الله تعالى والاعتماد عليه والثقة به وذلك بالرجوع إلى كتاب الله سبحانه وتعالى وتدبر آياته لمعرفة كيف عالج القرآن الكريم الكثير من القضايا ووضع لها الحلول المناسبة وقدم لها المعالجات الصحيحة وقد استعنت ببعض ما جاء في دروس من هدي القرآن الكريم ، للشهيد السعيد رضوان الله عليه ؛ انطلاقاً من كون القوانين تؤتي نفس السلبيات التي تركها علم الكلام من نقص في جانب معرفة بالله كونه لايعطي إلا معرفة محدودة وكذلك أمر آخر وهو أنه لايخاطب وجدان الإنسان بخلاف القرآن الكريم يقول الشهيد السعيد رضوان الله عليه في ملزمة معرفة الله نعم الله الدرس الثاني ص1_2)  :

 (لكن القرآن الكريم يأتي للإنسان من كل الجهات وهو يعرفه بإلهه، وهو يرسخ في قلبه المعرفة، تلك المعرفة التي تخلق في نفسه خشيةً وخوفاً وثقة عظيمة بالله، وتوكلاً عليه, وحباً له، ورغبة في الحصول على رضاه. لم يعرض المتكلمون مسألة النعم الكثيرة التي أسبغها الله على عباده كأسلوب من أساليب معرفته سبحانه وتعالى. لم يقدموا الحديث عن شدة بطشه، وعن سعة رحمته فيما يعِدُ به أولياءه، لم تقدم كأسلوب من أساليب المعرفة, نوقشت هناك لوحدها وبمفردها عن واقع الإنسان بالنسبة لها. هل هناك شفاعة لأهل الكبائر أم ليس هناك شفاعة فيما يتعلق بقضايا اليوم الآخر، نوقشت هذه فيما يتعلق بالأبحاث حول اليوم الآخر وكأنها لا علاقة لها بالله إلا من منظار واحد هو: ارتباطها بمجرد عدله, أنه ليس من العدل أن يقدر عليك المعصية أو يخلقها فيك أو يجبرك عليها ثم يعذبك. لكن أثره الوجداني... أثر الحديث عن الوعد والوعيد في وجدان الإنسان وما يتركه من أثر له علاقته الكبيرة بمعرفة الله سبحانه وتعالى، لم يقدم على هذا النحو؛ لهذا رأينا كيف أنهم في الأخير رأوا أن نسبة كبيرة من آيات القرآن الكريم ليست مما يحتاج إليه في مجال معرفة الله سبحانه وتعالى.)

ولو حضرنا - كما سبق وأشرنا في الموضوع السابق - جلسة من الجلسات التي تعقد في المحاكم سنلحظ أن التذكير بالله واليوم الآخر غائب بنسبة كبيرة ، والاستفادة من القرآن الكريم في ربط الخصوم به كحكم وبرهان وحجة وسلطان ، نحن ملزمون كمؤمنين أن نخضع لحكمه ونأتمر بأمره وننتهي بنهيه ونستجيب لكل ما قضى به (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)' [سورة غافر]

وهذه حقيقة(وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) وليست المسألة أننا لنا رأي تجاه القوانين من منطلق أو توجه ما ، غير واعي ومن أي نوع كان ذلك ، المسألة ليست على هذا النحو بل هي كما عرض السيد حسين رضوان الله عليه حين قال : (الله سبحانه وتعالى عندما شرع لنا هذا الدين؛ لأننا في أمس الحاجة إليه، إلى هذا الدين، حتى لو لم يكن وراءه جنة لكنا كما هو معلوم عن البشر أنهم يحتاجون إلى نُظُم، يحتاجون إلى قوانين، يحتاجون إلى دساتير، يحتاجون إلى شيء ينظم حياتهم كأمة، لكنا محتاجين إليه حاجة ماسة حتى ولو لم يكن هناك وراءه جنة.)

البعض قد يظن أن القضية بتلك السذاجة التي تأتي من قبل بعض المتدينين في نظرتهم للأمور ومنطلقاتهم في الطرح ؛ لا . ليست كذلك بل لأن الله سبحانه وتعالى قد جعل دينه (أفضل نظام للحياة، أفضل نظام يسود المجتمع البشري، أفضل نظام يرعى حقوق الإنسان وكرامته، ومع ذلك تفضلاً منه سبحانه وتعالى يجعل من وراء تطبيقه، والالتزام به، والعمل به، الثواب العظيم، الجزاء العظيم، الجنة، والقرب منه سبحانه وتعالى. هذه هي النعمة العظيمة.)

وذلك يعني أن الناس فيما يضعونه من قوانين ودساتير يشهدون على أنفسهم بالحاجة إلى ما ينظم حياتهم ويضبط سلوكياتهم ومعاملاتهم رغم أنه ليس من ورائها جنة ولا هي تقرب من عمل بها من الله (نحن نجد في الدنيا عندما تعمل الحكومات قوانين، تعمل دساتير، أليسوا يفتخرون أننا أنجزنا انجازات مهمة، وعملنا قوانين هي تساعد على الاستثمار الخارجي في داخل بلادنا، وعلى كذا وكذا. ولو نأتي إلى هذه القوانين، وهذه الدساتير نجدها تقف عند هذا الحد. هل وراء الدستور جنة؟ أو وراء القوانين الجنة، والقرب من الله سبحانه وتعالى، والزلفى لديه؟ لا، قانون مرتبط بالدنيا فقط، ينتهي عند تطبيقه. ومع ذلك تجد تلك الدساتير ناقصة، تبدو تلك القوانين ناقصة، يظهر فيها جهل الإنسان، وقصوره. لا يمكن لأي طرف أن يشرِّع للإنسان نظاما للحياة إلا من يعلم السر في السموات والأرض، من هو محيط علمه بكل شيء، وهو الله سبحانه وتعالى. أما الإنسان مهما كان خالص النية، حسن النية، مخلص للناس، فإنه قاصر، هو ناقص، علمه محدود، إدراكه محدود، فهمه محدود؛ ولهذا نجد كم يعدِّلوا في القوانين، والدساتير! وكم يحولوا، ويبدلوا داخلها، بين حين وآخر نصوص بدل عن نصوص، فقرات بدل فقرات، وأحياناً قانون بأكمله يغير نسبة كبيرة منه!. الله سبحانه وتعالى عندما جعل هذا الدين كاملاًً، هو وحده، وحده الذي يستطيع أن يضع ديناً كاملاًً، يوفق بين ضبط التعامل، تعامل الإنسان مع الإنسان، وتعامله مع الحياة بصورة عامة، وفي نفس الوقت بناء روحه، زكاء نفسه، طهرها، سموها، تكاملها. )

الإسلام وثقافة الاتباع ص1]

ولايستطيع أي شخص عاقل أن يدعي للقوانين أنها تامة وليس فيها أي نقص أو أن واضعها كامل ككمال الله العظيم تبارك وتعالى لا أحد يقول حتى أنه في كمال وقدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومع ذلك فقد روي أنه : جاء رجلان من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يختصمان في مواريث بينهما قد درست وليس بينهما بينة ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : [ إنكم تختصمون إليَّ وإنما - أنا بشر ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض ، وإنما - أقضي على نحو ما أسمع منكم ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من نار ، يأتي بها إسطاماً في عنقه يوم القيامة .

قال : فبكى الرجلان ، وقال كل واحد منهما : حقي لأخي ؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : أما إذ قلتما هذا فاذهبا فاستهما ، وتوخيا الحق ، وليحلل كل واحد منكما صاحبه . وفي رواية أخرى : اذهبا فاصطلحا .)

والإسطام : هو مسعار النار ، وهي الحديدة التي تسعر بها .

فهذه الرواية تبين كيف خاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذينك الرجلين اللذين جاءا إليه ليقضي بينهما ، فلاحظ صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله بفراسته أن أحدهما لديه قدرة على المحاورة والجدل فقال : (: [ إنكم تختصمون إليَّ وإنما - أنا بشر ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض ، وإنما - أقضي على نحو ما أسمع منكم ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من نار .)

فتأمل كيف خوفهما من النار التي خوف الله المؤمنين منها ('يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)' [سورة التحريم]

وهذا يعني أن القاضي لابد أن يذكر المتخاصمين بالله ويذكرهم بما وعد به المؤمنين الملتزمين الممتثلين الذين عملوا على وقاية أنفسهم من النار وكذلك يذكرهم بما توعد به الذين يعملون السيئات من الوعيد والعذاب الأليم (مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)'لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۗ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨) [سورة آل عمران]

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم [ إنكم تختصمون إليَّ وإنما - أنا بشر ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض ، وإنما - أقضي على نحو ما أسمع منكم]

هذا فيه تحذير لكل قادر على الجدل والمحاورة سواء كان الأصيل أو الوكيل تحذير من استغلال قدرته في الكلام ومعرفته بالمداخل والمخارج لتضليل القاضي ويبدو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعرض لهذا النوع فقال الله سبحانه وتعالى ('وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ۚ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)' [سورة النساء]

لكنهم لا يعلمون بأنهم بذلك إنما أضروا بأنفسهم وضللوها (وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ) فتأمل كيف أن القرآن الكريم يخاطب القديرين على التحريف والتزييف والتزوير وتقليب الأمور وإلباس الحق بالباطل وكتم الحق وهم يعلمون ، ليفهموا أن تضليلهم للقاضي وحتى لو حكم لهم بناء على ما سمع منهم ، مهما انطلى ذلك على حاكم الأرض فلن ينطلي على حاكم الأرض والسماء ، بل أفهمهم أن ذلك الحكم ليس في صالحهم ، لأن الحق ثابت لا يتغير والباطل يبقى هو باطلاً وإن ألبس لباس الحق وصنع شبهة ، إذن هنا هو يدافع عن القاضي ويقول لأي مضلل(وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ) يقول للمضلين أنتم تضرون أنفسكم من حيث تعتقدون أنكم تنفعونها ؛ أما القانون لا يستطيع أن يتوعد المضلين كما توعدهم الله في القرآن الكريم بهذه الطريقة ، لأن القانون مجرد نصوص ليس لأصحابها القدرة على شيء مما هو لله الذي يعلم السر في السماوات والأرض ('وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)' [سورة غافر]

الذي وضع القانون سواء كان حياً أو ميتاً لا يملك شيء وليس له شيء ليس له الإحاطة بكل شيء ولا هو سميع بصير له القدرة على التواجد مع كل متكلم('أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)' [سورة المجادلة]

يعني هناك حضور إلهي عند كل قضية وعند كل نجوى ومع كل متكلم

 أما القانون فهو كما تحدث السيد حسين رضوان الله عليه(قانون مرتبط بالدنيا فقط، ينتهي عند تطبيقه. ومع ذلك تجد تلك الدساتير ناقصة، تبدو تلك القوانين ناقصة، يظهر فيها جهل الإنسان، وقصوره.)

كما أن القانون لم يحفظ للمظلوم حقه عندما يواجه خصماً فاجراً يغلبه بأساليبه وحيله بل برر للمحتال حيلته وللمضلل ما فعله من تضليل وخداع كما نسمعه من مقولة ( القانون لا يحمي المغفلين ) ولا أدري هل هذه العبارة موجودة ضمن الثقافة القانونية أو لا ؟! لكن الله الذي شرع لعباده قال وهو يخاطب أهل الكتاب ('قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)' [سورة آل عمران]

فقوله تعالى(تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)

العوج والذهاب إلى الأساليب الملتوية قد يخدع ويضل البشر لغفلتهم لكن الله ليس بغافل عن عمل كل عامل ويعلم القول في السماء والأرض ('قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤)' [سورة الأنبياء]

فهو سميع عليم ، وسميع بصير ، وهذا فيه تنبيه وتحذير ، في كل القضايا التي تحصل بين البشر وعلى مختلف المستويات ، فالخصومات متفاوتة والخطاب القرآني واسع الدلالة وخطابه لأعلى مستوى تدخل ضمنه باقي المستويات فهو يقول لطرف الحق ('فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١)'أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢)'فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)'وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)' [سورة الزخرف]

لأن هناك عقوبة في الدنيا ('فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ) الله هو الذي إليه تصير الأمور وهو الذي يتولى متابعة كل القضايا وأطرافها ويعلم بكل شيء ولا يفوته شيء('وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤)'وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)' [سورة النمل]

أي أن قضاءه عن علم واسع وإحاطة دقيقة ولا يقوم على التخرصات والظنون تعالى الله عن ذلك وحاشاه كما هو الحال بالنسبة للبشر والقضية والحق لا يموت بموت صاحبه سواء بوفاة أو بشهادة القضية لا تنتهي ولا تسقط ولا يفلت الظالمون والمبطلون من العقاب (فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ) وفي كثير من القضايا قد يرى الطرف المحق ما يقضيه الله بحق المبطلين الظالمين (أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ)

وأما القانون فهو لا يخاطب الناس من خلال إيمانهم بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ولا يقدم لهم شيء في جانب معرفة الله وقدرته وعلمه وإحاطته وعفوه ورحمته لمن رجع وأناب إليه وأقر واعترف وتاب وخضع للحق وشدة بطشه ونقمته على من أصر واستمر في ظلمه وضلاله وغيه أما القانون فهو يدور في نطاق محدود ، ولا يربي ولا يهذب ولا يزكي النفوس ، على العكس من آيات الله سبحانه وتعالى التي هي الهدى الذي أنزله الله ، هدى في كل شيء ، هي النور الذي يضيء للإنسان الطريق التي يصل من خلالها إلى رضوان الله (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)' [سورة آل عمران]

فعندما يتم استحضار هدى الله والتذكير بالله ورسوله وباليوم الآخر ، فهذا له الأثر الكبير في جانب الربط بالله ، ليعود ذلك الإنسان إلى الله فلا يرجو غير الله ولا يرهب ولا يخاف إلا الله ، وهذا الأثر الإيجابي لن يقتصر على الخصوم بل حتى على القضاة والمحامين ووكلاء الشريعة كما نسميهم وعلى الشهود والحضور في قاعة المحكمة ، تماماً كما انعكس الأثر السلبي للقوانين على الجميع ('أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)'اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)'أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤)' [سورة الزمر]

عندما يسمع الكل أنه عليهم جميعاً أن تكون صدورهم منشرحة وهم يستجيبون وهم يمتثلون وهم يستسلمون ويسلمون التسليم الكامل لربهم ويخشعون ويتأثرون بحديثه وإلا حق عليهم الويل وحق عليه القول ، حين يتعنتون ويصرون ويتولون ويعرضون وعليهم أن يفهموا أن ذلك لقسوة قلوبهم  ('أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ )

وكلام الله حين يسمعه الجميع هو هكذا يكون له تأثير على النفوس وعلى القلوب وبالتالي على المشاعر وعلى الأجساد وهذا يعني التأثير أيضاً على المواقف يصلح يعالج يقوّم يطهر يزكي يهدي للتي هي أقوم

القانون حين يكون هو المقدم وله الأولوية يعني أنه هو الذي يكون حاضراً في الذهنية لدى أطراف الحكم ابتداء بالقاضي ثم المحامي ثم الخصوم وما يرتبط بهم من شهود وغيره ، والجميع يلاحظ القانون ويراقب القانون ويخاف ويرهب ما نص عليه القانون ، ويتحرى الالتزام بما ورد في فقرات القانون ويحاذر مخالفة القانون ، وهذا معناه أننا أعطينا القانون ما هو للنص الإلهي ، فلم نعد نراقب ما قال الله ولا نخاف ولا نرهب مما جاء في نصوص الكتاب العزيز ولا نتحرى أن نكون ملتزمين بما ألزمت به والتقيد بما ورد فيها وهذا الانفصال عن القرآن الكريم هو يؤدي إلى الانفصال عن الله تعالى فلا نعود نراقبه ولا نخافه ولا نرهبه ولا نعظمه ولا نخشاه  ولربما أن الاعتياد على القانون جعل الناس يغفلون عن النص الإلهي فلا يحضرهم ولا يستذكرونه في الخصومات حتى كأنه صار في حكم المبعد المغيب المنسي ، القاضي والمحامي قد يستحضر في القضية الفلانية نص القانون لكنه قد لا يستحضر الآية أو الآيات التي تكون الحالة التي لديه أو القضية ، واحدة من مصاديقها التي تنطبق عليها ولنذكر على سبيل المثال قضية بسيطة في موضوع الطلاق لنعرف عظمة النص القرآني وسعته ونتأمل فيما ورد في الدرس العاشر من دروس رمضان سورة البقرة صفحة7 حيث قال السيد حسين رضوان الله عليه في بيان قول الله تعالى({وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ}(البقرة:  241  ) بعدما ذكر المطلقات، وأنواع المطلقات يأتي في الأخير بهذه الآية{حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ}(البقرة: من الآية  241  ). متعة معناها: أن تعطيها شيئاً، تمتعها بشيء، حتى لا تبدو العملية وكأنها عملية طرد، عملية نفي، يعطيها بذلة، أو يعطيها مبلغاً من الفلوس.) فالسيد هنا أشار إلى مسألة احترام مشاعر المطلقة وما جعله الله حقاً لها على مُطلقها وتأمل كيف قال الله (مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} بالمعروف بالحسنى يعني ما يلجأها للمطالبة ولا يسلمه وكأنه هو كالمكره ولا يشعرها أو أهلها وكأنه يتفضل عليهم من خلال ما قد يفعله البعض يمن فيما يعطيه لمطلقته أو يقول كلاما لها أو لأهلها فيه ذم إذا طالبوا بذلك ، القرآن هكذا يعالج ويزكي (مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) لا يكون مصحوبا بما ينكره الله من قول أو فعل ، و يقوم هو بنفسه بأداء هذا المتاع من دون أن يتراخى أو يتعمد التأخر وإذا لم يطالبوه به من باب الشعور بالحرج لأن البعض قد يتحرج وقد يستحي فيستغل ذلك حتى لا يمتع مطلقته لكن الله بعد أن ذكر ما للمطلقات قال (حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} هو حق لهن جعله الله وفرضه على المتقين مراعاة لمشاعرهن حتى لا تشعر كما ذكر السيد أنها طردت طرداً (حتى لا تبدو العملية وكأنها عملية طرد، عملية نفي ) ومراعاة لمشاعر أهلها أيضاً وهذا يفهمه ويقوم به المتقون من أنفسهم فقوله(حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} فيه تربية تهذيب وفي نفس الوقت لكلمة المتقين هنا دلالة التهديد والوعيد ، وكأن من لم يقم بأداء هذا الحق فيمتنع ويتهرب ويتلكأ هذا معناه أنه ليس من المتقين وكان عليه أن يتقي الله يقي نفسه من سخطه وما قد ينزله به من العقوبة حين لا يؤدي الحق الذي عليه .

فأداء هذه الآية الكريمة لم يكن محدوداً ولا جامداً بل فيه من السعة والتفرع ما جعله يعالج جوانب عدة عند المطلق والمطلقة وأهلها وفي نفس الوقت تأديب وتهذيب مشوب بأسلوب تحذير بل كذلك هو أسلوب فيه تشجيع وترغيب حين ذكر الله الوصف (المتقين) وفيه تحذير من الخروج من هذا الثناء لأنه خروج إلى ذم وراءه عقوبة منتظرة مرتقبة ولذا جاء بهذا الوصف المتقين ليفهم المخاطب أن عليه أن يقي نفسه مما قد يصيبه من وراء المخالفة.

سلسلة المقالات

موسوعة جرائم الولايات المتحدة الأمريكية

استبيان

آلية التعامل مع فيروس كورونا المقرة من وزارة الصحة هل هي مناسبة؟

الاجابة بـ نعم 87 %

الاجابة بـ لا 87 %

:: المزيد ::

انفوجرافيك

جديد المكتبة الصوتية

أناشيد الذكرى السنوية الشهيد

كاريكاتير

{وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} (الحج:27)

الحج عبادة مهمة، لها علاقتها الكبيرة بوحدة الأمة، لها علاقتها الكبيرة بتأهيل الأمة لمواجهة أعدائها من اليهود والنصارى. #الشهيد_القائد

أن يعظم الله في نفسك، أن تزداد شعورًا بالخشوع لله، بالخضوع لله، بالتضاؤل أمام الله سبحانه وتعالى، أن تصغر دائمًا عند نفسك. #السيد_القائد

إذا لم يسيطر العدو على فكرنا وروحنا وثقافتنا وإرادتنا فإنه لن يستطيع أن يسيطر على أرضنا وسيادتنا واستقلالنا. #السيد_القائد

الحج في أول عملية لإعادته إلى حج إسلامي إنما كان يوم أرسل الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه) ليعلن البراءة من المشركين بتلك العشر الآيات الأولى من سورة براءة. #الشهيد_القائد